متابعة: أحمد زعيم
في الوقت الذي تستعد فيه مدن مغربية كبرى كطنجة والرباط.. لإحتضان تظاهرات عالمية من حجم كأس أفريقيا وكأس العالم، بدأت حملات واسعة لترحيل المشردين والأشخاص المصابين بإضطرابات عقلية ونفسية من الشوارع والأحياء. قرارات تبدو في ظاهرها تنظيمية، لكنها في العمق تكشف عن مقاربة تقوم على إخفاء الهشاشة عوض علاجها، وتلميع الصورة بدل حماية الإنسان.
من بين القصص التي برزت خلال هذه الحملات، قصة شاب من طنجة يعاني من إضطرابات نفسية اختفى عن أسرته لشهور، قبل أن يظهر بشكل صادم في مدينة الفقيه بن صالح، يتجول شبه عار ويبيت في العراء وحيدا، بعيدا مئات الكيلومترات عن منزله. مشهد أثار القلق داخل المنطقة بعدما تم التعرف عليه من طرف أحد أبناء المدينة، الذي سارع إلى التواصل مع عائلته.
حلت الأسرة بسرعة بالفقيه بن صالح، واستعادت ابنها منهكا ومتعبا، ليعود إلى حضن أسرته. وبعد أسابيع قليلة، إتصلت العائلة بالشخص الذي ساعدها في العثور عليه لتخبره بأن الشاب أصبح بحالة أفضل بكثير بعد تلقي العلاج والرعاية، وأن ما كان ينقصه طوال تلك المدة لم يكن الترحيل، بل الإحتضان والعناية.
وقد وجهت الأسرة رسائل شكر لكل الفاعلين الذين قدموا الدعم والإهتمام والإنسانية لهذا الشاب داخل المدينة، من حقوقيين وإعلاميين وجمعويين ومواطنين، ممن لم يتركوه يواجه الشارع وحيدا.

هذه القصة تعيد إلى الواجهة سؤالا محوريا:
هل الترحيل هو الحل؟ أم أن الحل الحقيقي يبدأ من العلاج والإحتواء داخل بيئة أسرية وإجتماعية تحفظ للإنسان كرامته وحقه في الحياة؟
إن التعامل مع المرضى النفسيين والمشردين بمنطق “الإخفاء” أو “الإبعاد” لا يمكن أن يكون سياسة إجتماعية مستدامة، خاصة في بلد ينص دستوره على الحق في الصحة والحماية الإجتماعية. هؤلاء الأشخاص لا يحتاجون إلى حافلة تقلهم بعيدا، بل إلى منظومة صحية قوية، ومراكز متخصصة، وفرق إجتماعية ميدانية قادرة على مواكبة حالاتهم برؤية إنسانية لا ظرفية.
ومع اقتراب المحطات الرياضية الكبرى، يصبح السؤال أكثر إلحاحا:
هل نشتغل على تحسين الواقع… أم فقط على تحسين الواجهة؟
إن حماية هذه الفئة الهشة ليست اختيارا تجميليا، بل واجب دولة ومسؤولية مجتمع. لأن الأمم التي تخفي ضعفها لا تقوى، أما التي تواجهه بالعلاج والرعاية، فتبني مستقبلا أكثر عدلا وإنسانية.
“صحة الإنسان أولا… لأن الوطن لا يعلو بواجهاته، بل بكرامة أبنائه.”

