أعادت حوادث انهيار المباني، التي تتكرر مع كل موسم للأمطار، النقاش حول وضعية البنايات الآيلة للسقوط، سواء داخل المدن العتيقة أو بالأحياء الحديثة، وطرحت تساؤلات ملحّة بشأن نجاعة التدخلات الوقائية وقدرة السياسات العمومية على حماية الأرواح والموروث العمراني في آن واحد.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير في البيئة والتنمية والعمارة الإسلامية، أحمد الطلحي، في تصريح لـيقين 24 من مدينة طنجة، أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال معالجة الدور المهددة بالانهيار، غير أن الإشكال الأساسي لا يكمن في غياب الخبرة، بل في محدودية الإمكانيات المادية والبشرية، وضعف تعميم التجارب الناجحة.
وأكد الطلحي أن من أبرز التجارب المرجعية في هذا المجال، تجربة وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، التي انطلقت منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، بقيادة رائد العمارة الإسلامية بالمغرب، الأستاذ المهندس عبد اللطيف الحجامي، مؤسس المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بالرباط، والتي شكلت نموذجاً متقدماً في معالجة تدهور المباني داخل المدن العتيقة.
وأضاف المتحدث أن التجربة الثانية، والأكثر حداثة، تتمثل في الوكالة الوطنية للتجديد الحضري وتأهيل المباني الآيلة للسقوط، التي تعنى بالبنايات المهددة بالانهيار بصفة عامة، سواء كانت ذات طابع تاريخي أو حديث، مشيراً إلى أن هذه المبادرات تؤكد توفر المعرفة التقنية، لكن دون توفير اعتمادات مالية كافية لتوسيع نطاق التدخل.
وبخصوص كيفية تحديد الأولويات في التدخل، خاصة داخل الأنسجة العمرانية القديمة، شدد الطلحي على أن الأمر يخضع لمعايير دقيقة، ترتبط أساساً بالحالة الفيزيائية للبناية، ومستوى تدهورها، إضافة إلى قيمتها المعمارية، والثقافية، والفنية، والتاريخية، حيث يتم تصنيف كل عنصر وفق درجات محددة، وعلى أساسها يُتخذ القرار المناسب لنوع التدخل.
وأوضح الخبير أن التدخل في البنايات الآيلة للسقوط يتم عبر أربعة أنماط رئيسية، أولها التجديد، ويشمل الهدم الكلي أو الجزئي وإعادة البناء، ثم التدعيم، الذي يركز على تقوية العناصر البنيوية، يليه رد الاعتبار، والذي يهم عمليات الإصلاح والتجهيز، وصولاً إلى الترميم، وهو أدق أنواع التدخل، ويهدف إلى الحفاظ على الخصائص الأصلية للبناية من حيث المواد والعناصر المعمارية، في ما يشبه العمليات الجراحية الدقيقة.
وشدد الطلحي في ختام تصريحه على أن أي تدخل يجب أن يضع سلامة الساكنة في صدارة الأولويات، من خلال إيوائهم مؤقتاً في ظروف لائقة، وإعادتهم إلى مساكنهم الأصلية بعد انتهاء الأشغال، أو إعادة إسكانهم في بنايات أخرى عند الاقتضاء، في إطار ما يعرف بعملية التخفيض من الكثافة السكانية.
ويبقى ملف البنايات الآيلة للسقوط، بحسب متابعين، من أكثر القضايا استعجالاً، لما يحمله من أبعاد إنسانية وعمرانية وثقافية، تستدعي إرادة قوية، وتمويلاً كافياً، وتسريع وتيرة التدخل قبل أن تتحول الأمطار إلى فواجع متكررة.

