يقين 24
لم تكن الفيضانات المفاجئة التي ضربت، خلال الأسابيع الأخيرة، عددًا من المدن والمناطق المغربية، من بينها آسفي والراشيدية وأقاليم أخرى بالجنوب والجنوب الشرقي، مجرد أحداث طارئة أو كوارث خارجة عن دائرة التوقع. بل أعادت هذه الوقائع المؤلمة إلى الواجهة تحذيرات علمية ومؤسساتية صدرت قبل سنوات، ونبّهت بوضوح إلى المخاطر المتزايدة المرتبطة بتغير المناخ، وكلفة التأخر في التكيف معها.
ففي دراسة صادرة سنة 2021 عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، في إطار “حوار حول السياسات المغربية حول المناخ”، حذّر باحثون وخبراء من أن المغرب يُعد من بين البلدان الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي، بالنظر إلى اعتماده الكبير على الموارد الطبيعية، وهشاشة توازنه البيئي، ليس فقط من زاوية الجفاف وندرة المياه، بل أيضًا من حيث مخاطر الفيضانات والسيول المفاجئة الناتجة عن اختلال أنماط التساقطات وتزايد حدتها في فترات زمنية قصيرة.
وما وقع مؤخرًا في مدينة آسفي، حيث تحولت تساقطات رعدية لم تتجاوز ساعة واحدة إلى سيول جارفة أودت بحياة عشرات الضحايا وخلفت خسائر مادية جسيمة، إضافة إلى ما شهدته الراشيدية ومناطق أخرى، يجسّد بشكل عملي ما وصفته الدراسة بـالمفارقة المناخية المتفاقمة: سنوات متتالية من الجفاف، تقابلها فترات قصيرة من أمطار عنيفة ومركزة، تفوق قدرة التربة والبنيات التحتية على الاستيعاب.
وأكدت الدراسة أن التغير المناخي في المغرب لم يعد خطرًا مستقبليًا مؤجلًا، بل واقعًا قائمًا يفرض إعادة النظر في طرق التخطيط العمراني، وتدبير الموارد المائية، وحماية المناطق الحضرية والقروية من الكوارث الطبيعية. كما شددت على أن غياب التكيف الفعلي يجعل كلفة الخسائر البشرية والمادية أكبر بكثير من كلفة الاستثمار المسبق في الوقاية والبنيات التحتية المقاومة للمخاطر.
ورغم أن المغرب راكم، وفق الوثيقة نفسها، ترسانة مهمة من القوانين والاستراتيجيات، من بينها المخطط الوطني للحماية من الفيضانات، والاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة، والاستراتيجية الوطنية للماء، فإن الفيضانات الأخيرة أعادت طرح سؤال الفجوة بين السياسات المكتوبة ونجاعة تنزيلها على أرض الواقع، خاصة على مستوى الجماعات الترابية والمدن المتوسطة والصغرى.
وتشير الدراسة إلى أن التغيرات المناخية، عندما تتقاطع مع توسع عمراني سريع وغير مهيكل، وتمركز السكان في أحياء منخفضة أو بمحاذاة مجاري مائية، تؤدي إلى تضخيم المخاطر. وهو ما يستدعي، بحسب الباحثين، اعتماد مقاربة استباقية تقوم على تحديد المناطق عالية الخطورة، وتحيين خرائط الفيضانات، وربط قرارات التعمير بالمعطيات المناخية، بدل الاكتفاء بالضغط الديمغرافي أو الاعتبارات العقارية.
كما نبّهت الوثيقة، قبل أربع سنوات، إلى أن التكيف مع التغير المناخي لا يمكن أن يظل حبيس الخطابات الوطنية أو الالتزامات الدولية، بل يجب أن يترجم إلى خطط محلية واضحة، تشمل أنظمة الإنذار المبكر، والتواصل الفعال مع السكان، وإجراءات الإخلاء الوقائي عند الضرورة. وهي عناصر عادت بقوة إلى واجهة النقاش بعد تسجيل خسائر بشرية في فيضانات يرى عدد من المتابعين أنه كان بالإمكان تقليص آثارها لو فُعّلت هذه الآليات في وقتها.
وبهذا المعنى، لا تطرح الفيضانات الأخيرة فقط سؤال التقلبات الجوية، بل تضع السياسات العمومية والمنتخبين المحليين أمام مساءلة مباشرة حول مدى استيعابهم للتحولات المناخية التي حذرت منها الدراسات منذ سنوات، وحول أسباب استمرار منطق التدخل بعد وقوع الكارثة بدل ترسيخ ثقافة الوقاية والاستباق، في بلد أكد باحثوه منذ سنة 2021 أن التأخر في التكيف سيكون مكلفًا، بشريًا واقتصاديًا، أكثر مما يُتصور.

