محسن خيير
لم يكن الحدث الذي تصدّر العناوين خلال الساعات الماضية مجرّد سقوط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بل الطريقة التي جرى بها ذلك، والجهة التي نفذت العملية. فالمعلومات المتداولة على نطاق واسع تشير إلى تورّط وحدة «دلتا فورس» الأمريكية، وهي قوة خاصة لا تُستخدم في النزاعات التقليدية، بل في العمليات التي تقرر فيها واشنطن تجاوز الأعراف والقوانين الدولية لتحقيق هدف محدد: القبض على الخصم حيًا.
وجود «دلتا فورس» في هذا المشهد ليس تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر سياسي بالغ الدلالة. فهذه الوحدة تمثل، في العقيدة العسكرية الأمريكية، الأداة التي تُستدعى عندما ترى الولايات المتحدة أن السيادة الوطنية لم تعد تشكل عائقًا ملزمًا، وأن الحل العسكري المباشر أكثر فاعلية من أي مسار دبلوماسي.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان ما جرى مع مادورو سابقة خطيرة، بل: هل هي سابقة أصلًا؟
العودة إلى التاريخ القريب تكشف أن الولايات المتحدة تمتلك سجلًا طويلًا، وإن كان غير معلن دائمًا، في اقتحام دول ذات سيادة واعتقال قادتها.
أبرز هذه السوابق تعود إلى بنما عام 1989، حين أطلقت واشنطن عملية «القضية العادلة» (Just Cause). لم يكن الهدف مجرد تغيير سياسي، بل إسقاط الجنرال مانويل نورييغا واعتقاله شخصيًا. وبعد حصاره، نُقل مكبلًا إلى الولايات المتحدة، حيث حوكم وسُجن في فلوريدا، في مشهد مثّل حينها صدمة لمفهوم حصانة رؤساء الدول.
قبل ذلك بست سنوات، شهدت جزيرة غرينادا واحدة من أولى هذه العمليات. ففي عام 1983، تدخلت القوات الأمريكية تحت مسمى «الغضب العاجل» (Urgent Fury) عقب انقلاب عسكري، واعتقلت الحاكم الفعلي الجنرال هدسون أوستن. أُودِع السجن، وصدر بحقه حكم بالإعدام خُفف لاحقًا. كانت تلك العملية بمثابة اختبار عملي لقدرة واشنطن على إسقاط رأس السلطة واحتجازه مباشرة.
في هايتي عام 2004، اتخذ التدخل شكلًا أقل صدامية، لكنه لم يكن أقل دلالة. الرئيس جان برتران أريستيد أُخرج من قصره بوجود قوات أمريكية وفرنسية، ونُقل على متن طائرة عسكرية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى. الرواية الرسمية تحدثت عن «مغادرة طوعية»، لكن أريستيد أكد لاحقًا أنه تعرض لاختطاف قسري، دون أصفاد، لكن تحت تهديد مباشر.
أما العراق عام 2003، فيبقى المثال الأشهر، وإن اختلفت طبيعته. فاعتقال الرئيس صدام حسين جاء بعد غزو شامل وتفكيك كامل لمؤسسات الدولة، وانتهى بعملية «الفجر الأحمر» التي نفذتها قوات خاصة أمريكية. هنا، لم يكن الاعتقال عملية خاطفة، بل خاتمة لمسار عسكري طويل.
في هذا السياق، يبدو اعتقال نيكولاس مادورو أقرب إلى نموذج بنما منه إلى نموذج العراق، ولكن بنسخة محدثة تناسب عام 2026: عملية محدودة، دقيقة، وسريعة، تهدف إلى شلّ القيادة السياسية دون الدخول في حرب شاملة.
الرسالة التي تحملها هذه العملية تتجاوز فنزويلا. إنها تذكير قاسٍ بأن مفهوم السيادة، في النظام الدولي الحالي، قد يفقد مضمونه عندما تتعارض إرادة دولة مع مصالح قوة عظمى. ففي لحظة ما، قد يتحول الخلاف السياسي إلى عملية عسكرية، وينتهي رئيس دولة في مقعد بطائرة عسكرية مجهولة الوجهة.
والسؤال الذي يظل معلقًا في أروقة الحكم حول العالم ليس أخلاقيًا بقدر ما هو واقعي:
إلى أي حد لا تزال السيادة الوطنية خطًا أحمر؟ ومن هو الزعيم التالي الذي قد يجد نفسه خارج قصره قبل أن يدرك أن القرار قد اتُخذ في مكان آخر؟

