يقين 24
اختار عزيز أخنوش أن يعلن خروجه من الواجهة السياسية دون ضجيج، واضعاً بذلك نقطة نهاية لمسار استثنائي جمع فيه بين قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار ورئاسة الحكومة، وممهداً لمرحلة جديدة داخل الحزب الذي قاد الأغلبية الحكومية خلال الولاية الحالية.
الإشارة الأولى إلى هذا التحول جاءت خلال لقاء تواصلي عقده أخنوش مع مديري نشر عدد من المنابر الإعلامية بالرباط، حيث كشف أن المؤتمر الوطني الاستثنائي المزمع تنظيمه يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة سيكون محطة لإنهاء ولايته على رأس الحزب، مؤكداً أنه لن يترشح مجدداً لرئاسته، كما أعلن بشكل صريح عدم خوضه للانتخابات التشريعية المقبلة.
هذا الإعلان، وإن جاء في صيغة شخصية، حمل دلالات سياسية عميقة، إذ يعني عملياً انسحاب رئيس الحكومة من معادلات القيادة الحزبية والحكومية لما بعد 2026، ويفتح الباب أمام إعادة ترتيب التوازنات داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، في مرحلة تتطلب، وفق متابعين، انتقالاً سلساً للقيادة وتدبيراً دقيقاً لفترة ما بعد أخنوش.
وخلال حديثه، شدد رئيس الحكومة على أن قراره نابع من قناعة ذاتية، وأنه انسجم مع مقتضيات النظام الأساسي للحزب الذي يحدد رئاسة الحزب في ولايتين، معتبراً أن التداول على القيادة يمثل مدخلاً أساسياً لتعزيز الممارسة الديمقراطية الداخلية. غير أن هذه القناعة، في نظر محللين، جاءت أيضاً في سياق ضاغط طبعته تحديات تدبير الشأن العام، وتراجع منسوب الثقة السياسية، وارتفاع كلفة القرار الحكومي في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية متراكمة.
وأقر أخنوش بوجود نقاش داخلي داخل المكتب السياسي للحزب، حيث عبّر عدد من أعضائه عن رغبتهم في استمراره، قبل أن يحسم موقفه بالتأكيد على أن الحزب “ليس ملكاً لأحد”، وأن تجديد النخب يظل خياراً استراتيجياً لضمان استمرارية التنظيم وقابليته للتجدد.
في المقابل، حرص رئيس الحكومة على إبراز ما اعتبره مكتسبات تنظيمية وسياسية تحققت خلال فترة قيادته، من بينها إعادة هيكلة التنظيمات الجهوية، وتحديث آليات الاشتغال الحزبي، وإطلاق برامج للتأطير والتواصل، في محاولة لترسيخ صورة حزب منظم ومؤسساتي. غير أن هذه الحصيلة تضع الحزب، اليوم، أمام تحدي الحفاظ على تماسكه في غياب شخصية قيادية وازنة بنفس الحضور السياسي والانتخابي.
ويُعد إعلان أخنوش عدم الترشح للانتخابات المقبلة من أبرز مؤشرات هذا التحول، إذ لا يقتصر على إنهاء تجربة حكومية، بل يعكس توجهاً نحو انسحاب تدريجي من المشهد السياسي الوطني، وطي صفحة مرحلة اتسمت بتداخل القرار السياسي مع النفوذ الاقتصادي.
ومع اقتراب موعد المؤتمر الاستثنائي، يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام مرحلة دقيقة، عنوانها الأبرز: كيف يدبّر الانتقال بعد أخنوش؟ وهل ينجح في بناء قيادة جماعية قادرة على ضمان الاستمرارية السياسية والتنظيمية، أم أن الحزب سيدخل مرحلة إعادة تشكل قد تعيد رسم موقعه داخل الخريطة الحزبية الوطنية؟
بهذا القرار، يكون عزيز أخنوش قد اختار المغادرة بهدوء، تاركاً وراءه مرحلة سياسية ستظل محل تقييم ونقاش، في انتظار ما ستفرزه التحولات المقبلة داخل الحزب والحكومة على حد سواء

