هدى الخباني | يقين 24
مع انطلاق صافرة مباريات كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025”، انتقلت حمى المنافسة من المستطيل الأخضر إلى كراسي المقاهي، غير أن المشهد هذه المرة لم يقتصر على التشجيع والحماس، بل تحول إلى مزايدات مالية أثقلت كاهل المشجع المغربي، بعدما سجلت أسعار المشروبات ارتفاعًا صاروخيًا بلغ في بعض الحالات 30 درهمًا لفنجان القهوة الواحد، في استغلال واضح لشغف الجماهير بمتابعة المنتخب الوطني.
لم يعد ارتياد المقهى خلال فترة “الكان” متاحًا للجميع، بل بات يتطلب ميزانية استثنائية. فمع اقتراب موعد المباراة، تعلن العديد من المقاهي عن تسعيرة خاصة بالمباريات، تضرب عرض الحائط الأثمنة القانونية والمألوفة، وتفرض واقعًا استهلاكيًا جديدًا لا علاقة له بجودة الخدمة أو تكلفتها الفعلية.
وثيقة استهلاك (Ticket) جرى تداولها على نطاق واسع، كشفت كيف قفز سعر القهوة من 10 أو 12 درهمًا إلى 30 درهمًا، أي بزيادة تناهز 150 في المائة، فُرضت على الزبائن تحت ضغط الحاجة إلى متابعة البث المباشر.
هذا الارتفاع المفاجئ فجّر موجة سخط عارمة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر مرتادو المقاهي أن ما يجري لا يعدو كونه ابتزازًا مقننًا. فالمشجع الذي لا يملك تذكرة للملعب، أو اشتراكًا منزليًا لمتابعة القنوات المشفرة، يجد نفسه رهينة لدى صاحب المقهى، وهو ما يحوّل هذه الفضاءات من أماكن للتلاقي الاجتماعي إلى شبابيك تذاكر غير قانونية تستخلص “جبايات” إضافية من جيوب المغاربة.
وفي ظل احتكار البث وصعوبة التنقل إلى الملاعب بالنسبة لشرائح واسعة، تصبح المقاهي المتنفس الوحيد لمتابعة المباريات، وهو ما يستغله بعض أربابها لفرض ما يشبه “الإتاوات” الإجبارية مقابل خدمة يفترض أن تخضع لقوانين واضحة ومعلنة.
وسُجّل، في هذا السياق، غياب شبه تام لإشهار الأسعار بواجهات عدد من المقاهي، حيث يُفاجأ الزبون بالفاتورة بعد انتهاء المباراة، ما يطرح تساؤلات جدية حول دور السلطات المحلية ومصالح المراقبة ومجلس المنافسة في حماية المستهلك وضبط السوق.
ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على الأثر المادي فحسب، بل تمتد لتطال رمزية كرة القدم كلعبة شعبية. فبدل أن تشكل المقاهي فضاءً للفرح الجماعي والاندماج الاجتماعي خلال عرس إفريقي ينظمه المغرب، تحولت، بفعل الجشع، إلى أماكن شبه نخبوية تقصي ذوي الدخل المحدود، وتهدد بإفراغ “الكان” من روحه الشعبية.
إن نجاح المغرب في تنظيم كأس أمم إفريقيا لا ينبغي أن يُقاس فقط بجودة الملاعب والبنيات التحتية، بل أيضًا بمدى حماية المواطن من التغول التجاري. وهو ما يستدعي، بحسب فاعلين مدنيين، تدخلًا عاجلًا من لجان المراقبة التابعة للعمالات والجماعات، من أجل زجر هذه التجاوزات، وضمان ألا يتحول الشغف الوطني إلى سلعة تُباع وتُشترى في مزاد المقاهي.

