يقين 24
ما يحدث اليوم بجهة بني ملال–خنيفرة لم يعد قابلاً للتأويل أو التبرير، بل أصبح ممارسة سياسية مكشوفة عنوانها الأبرز: استغلال المشاريع العمومية في حملة انتخابية سابقة لأوانها، يقودها حزب الأصالة والمعاصرة من داخل مؤسسة يُفترض فيها أن تكون فوق الحسابات الحزبية، وعلى رأسها رئيس الجهة عادل بركات.
في الوقت الذي كانت فيه التساقطات المطرية الأخيرة كاشفة لهشاشة البنية التحتية، ومُعرّية لسنوات من الإهمال في أقاليم مثل أزيلال وخنيفرة، حيث انهارت طرق، وتقطعت مسالك، وعُزلت دواوير، وتضررت منازل وبنايات تقليدية، اختار مجلس الجهة مسارًا آخر لا علاقة له بأولويات الاستعجال ولا بآلام الساكنة: الترويج السياسي للمشاريع، وتسويقها كإنجاز حزبي، وتوظيفها كورقة استقطاب انتخابي.

الواقع على الأرض صادم. جماعات ترابية بأكملها تعيش وضعًا أقرب إلى الطوارئ: طرق شبه مدمّرة، بنية تحتية مهترئة، عزلة خانقة مع أول مطر، وغياب تدخلات استعجالية توازي حجم الخطر. ومع ذلك، لم يكن الخطاب الرسمي منصبًا على الإنقاذ، بل على الصور، والزيارات، والبلاغات، وكأن الجهة تعيش رخاءً تنمويًا لا أزمة حقيقية.
الأخطر من ذلك، أن المشاريع العمومية، الممولة من المال العام، تحوّلت إلى أداة سياسية، تُقدَّم وتُسوَّق بمنطق الولاء لا بمنطق الحاجة، وبحسابات الاصطفاف لا بمعايير العدالة المجالية. من يصفّق تُفتح له الأبواب، ومن يطالب أو يعارض يُترك يواجه المطر والعزلة والانهيار. هذا ليس تدبيرًا، بل ابتزاز سياسي مقنّع.
كيف يمكن الحديث عن تنمية جهوية متوازنة، في جهة تتسع فيها الفوارق، بينما تُستعمل ميزانيتها كوسيلة لإعادة ترتيب الخريطة السياسية؟
وكيف يُطلب من المواطن أن يثق في المؤسسات، وهو يرى أن معاناته تُختزل في “فرصة انتخابية” تُستثمر بدل أن تُعالج؟

إن ما يجري اليوم بجهة بني ملال–خنيفرة ليس مجرد خطأ في التقدير، بل انحراف خطير في وظيفة الجهة، وتحويلها من فضاء للتنمية إلى منصة حزبية تخدم أجندة حزب الأصالة والمعاصرة، على حساب الساكنة، وعلى حساب الدستور، وعلى حساب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

المواطن في أزيلال وخنيفرة لا يحتاج خطابات ولا شعارات. يحتاج طريقًا لا ينهار، وقنطرة لا تجرفها السيول، وتدخلاً لا يُربط بالانتخابات.
أما الاستمرار في هذا النهج، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الغضب، وترسيخ القناعة بأن السياسة لم تعد أداة لخدمة الصالح العام، بل وسيلة لتدبير المصالح الحزبية الضيقة.
الجهة ليست ملكًا لحزب، والمشاريع ليست غنائم انتخابية، والمال العام ليس وسيلة دعاية.
ومن يعتقد أن الذاكرة قصيرة، عليه أن ينظر جيدًا إلى الطرق المنهارة، والمنازل المتضررة، والدواوير المعزولة… فهذه لا تنسى، ولا تُمحى بالصور ولا بالبلاغات.

