هدى الخباني | يقين24.
يواجه المشهد الرقمي في المغرب طفرة غير مسبوقة في محتوى البودكاست، الذي بات يغزو هواتف الشباب وينافس الإذاعات التقليدية في عقر دارها.
لكن خلف هذا البريق الرقمي، تبرز تساؤلات حارقة حول قدرة هذا الوافد الجديد على التحول من مجرد هواية رقمية إلى صناعة اقتصادية مهيكلة، في ظل تخبط مفاهيمي يهدد هويته الصوتية.
كشفت دراسة ميدانية حديثة أعدتها الباحثة هدى الخباني (2025) حول “تمثلات الجمهور المغربي لمفهوم البودكاست”، أن 95% من الشباب المغاربة يمتلكون وعياً إيجابياً بالمفهوم، إلا أن المفارقة الصادمة تكمن في أن 63% منهم لا يزالون يستهلكونه عبر منصات الفيديو مثل يوتيوب، معتبرين إياه فيديو حواري وليس إنتاجاً صوتياً خالصاً.
هذا الخلط البصري يضع صناع المحتوى أمام تحدٍ وجودي؛ حيث يضطر الكثير منهم للتضحية بالهوية الصوتية من أجل سلطة الصورة لضمان الانتشار.
شباب يغرد خارج السرب: أرقام تكشف الفجوة:
تتركز القوة الضاربة لجمهور البودكاست في الفئة العمرية ما بين 18 و30 عاماً بنسبة تصل إلى 30%، وهي الكتلة التي هجرت الراديو الكلاسيكي بحثاً عن محتوى “حسب الطلب”.
وبالرغم من أن منصات التواصل الاجتماعي تستقطب 77% من المتابعين، إلا أن المنصات العالمية المتخصصة مثل “سبوتيفاي” و”أبل بودكاست” لا تزال تكافح لحجز مكان لها بنسبة لا تتجاوز 31%.وتشير البيانات الإحصائية للبحث إلى أن الجمهور المغربي يفضل الحلقات التي تتراوح مدتها بين 20 و40 دقيقة (بنسبة 45%)، مع ميل واضح للمواضيع الترفيهية والاجتماعية التي تحصد 56% من اهتمامات المستمعين، تليها المواضيع الثقافية والتعليمية بنسبة 51%.
هذا التوجه يعكس رغبة الشباب في محتوى يجمع بين الفائدة والترفيه بعيداً عن القوالب الإذاعية الجامدة.
جدار الصمت: عوائق تمنع الإقلاع الاقتصاد:
رغم هذا الحماس، تصطدم الصناعة الناشئة بجدران صلبة؛ حيث يرصد البحث غياباً لنموذج ربحي واضح، ما يجعل المستثمرين يترددون في ضخ ميزانيات إعلانية في محتوى لا يوفر أرقام مشاهدات بصرية ملموسة. كما تبرز مشكلة البنية التحتية كعائق رئيسي، حيث يضطر المنتجون المستقلون للعمل في ظروف تقنية متواضعة بسبب ندرة الاستوديوهات المجهزة بأسعار معقولة.
وعلى المستوى التنظيمي، يعاني القطاع من “فراغ قانوني”؛ فرغم وجود ترسانة قانونية مثل القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات والقانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، إلا أنها لا تزال قاصرة عن استيعاب البودكاست كصناعة إعلامية مستقلة.
ويؤكد البحث أن هذا الغياب التشريعي يترك حقوق صناع المحتوى في مهب الريح ويؤخر مأسسة القطاع.نحو “إيكوسيسستم” صوتي متكامل: مقترحات للنهوض بالقطاعإن الانتقال بالبودكاست من “الظاهرة” إلى “الصناعة” يتطلب بناء نظام متكامل (Ecosystem).
وبناءً على مخرجات الدراسة، يمكن تلخيص خريطة الطريق في النقاط الآتية:
1.تصحيح الخلط المفاهيمي: ضرورة تعزيز “التربية الرقمية” للمتلقي للتمييز بين البودكاست الصوتي والبرامج الحوارية المصورة، وتشجيع الاستهلاك عبر المنصات المتخصصة لضمان دقة قياس نسب الاستماع.
2.المأسسة والتقنين: مراجعة القوانين المنظمة للصحافة والنشر لاستيعاب الأشكال التعبيرية الجديدة، وخلق إطار قانوني يحمي الملكية الفكرية لصناع المحتوى الصوتي ويوفر لهم بطاقة مهنية تعترف بصفة “صانع بودكاست”.
3.دعم المقاولات الناشئة: دعوة وزارة الشباب والثقافة والتواصل لتبني سياسات تدعم الإعلام البديل، من خلال توفير استوديوهات مجهزة بأسعار تفضيلية للمستقلين، وتقديم منح لإنتاج محتوى هادف يخدم التنمية الثقافية.
4.الابتكار في النموذج الربحي: يجب على صناع المحتوى فك الارتباط بسلطة “يوتيوب” والبحث عن نماذج تمويل بديلة مثل الرعاية المباشرة (Sponsorship)، أو التمويل الجماعي، أو الاشتراكات المدفوعة للمحتوى الحصري.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في عدد التحميلات، بل في القدرة على إثبات أن “الأذن تعشق قبل العين أحياناً”، شريطة وجود استثمار حقيقي يحول هذا الأثير من مجرد صدى إلى محرك اقتصادي وثقافي واعد في المغرب الرقمي.

