يقين 24/ حليمة صومعي
في خطوة تعكس تحوّلًا في مقاربة السياسات الاجتماعية، كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن توجه جديد يروم إعادة هيكلة منظومة الرعاية بالمغرب، عبر اعتماد نموذج “الأسر المستقبلة” كآلية بديلة ومكملة لإيواء ورعاية الأشخاص في وضعية هشاشة، وعلى رأسهم المسنون الذين يفتقدون إلى السند الأسري والاجتماعي.
وخلال عرض مضامين تقريره الموسوم بـ“اقتصاد الرعاية بالمغرب: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي”، شدد المجلس على أهمية الانتقال من الحلول التقليدية إلى مقاربات أكثر مرونة وقربًا من الواقع الاجتماعي، تقوم على الرعاية المنزلية، والتكفل المشترك بين الأسر، وإحداث بنيات مجتمعية صغيرة قادرة على الاستجابة للحاجيات المتزايدة لهذه الفئة.
ويراهن التقرير على نماذج مبتكرة، من بينها السكن التضامني الذي يجمع بين الأجيال، والمراكز المجتمعية المختلطة، إلى جانب وحدات الرعاية القريبة من المواطنين، سواء عبر خدمات متنقلة أو مراكز للرعاية النهارية، بهدف ضمان تغطية أوسع للخدمات الاجتماعية مع ترشيد الموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، دعا المجلس إلى وضع إطار تنظيمي واضح يؤطر عمل الأسر المستقبلة، من خلال إعداد دفتر تحملات وطني يحدد شروط الاستقبال ومعايير الجودة والسلامة، مع توفير مواكبة مالية ولوجستيكية تضمن الإنصاف وحماية حقوق المستفيدين.
كما أكد التقرير على ضرورة تحفيز البحث العلمي والابتكار في مجال اقتصاد الرعاية، عبر إطلاق برامج تجريبية بشراكة مع الجامعات ومراكز البحث والمجتمع المدني والمقاولات الاجتماعية الناشئة، بما يسمح بتطوير حلول ملائمة للخصوصيات المحلية وتقييم أثرها الاجتماعي.
وعلى مستوى التمويل، أوصى المجلس باعتماد آليات جديدة لدعم مشاريع الرعاية الاجتماعية، من قبيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والتمويل المرتكز على النتائج، وسندات الأثر الاجتماعي، بهدف تعزيز استدامة هذه المبادرات وضمان فعاليتها.
ولم يغفل التقرير دور التكنولوجيا في تحسين جودة الخدمات، حيث دعا إلى توظيف الحلول الرقمية، مثل الرعاية الصحية عن بُعد والمنصات الإلكترونية والأنظمة الذكية المنزلية، بما يساهم في تسهيل الولوج إلى الخدمات الاجتماعية ورفع مستوى النجاعة.
وفي تصريحات مرافقة لتقديم التقرير، أبرز رئيس المجلس عبد القادر اعمارة أن أعباء الرعاية لا تزال تتحملها فئة محدودة، غالبًا من النساء، داعيًا إلى الاعتراف الرسمي باقتصاد الرعاية كقطاع قائم بذاته، يستوجب استراتيجية وطنية واضحة المعالم، وإطارًا قانونيًا ينظم تدخلاته ويحدد مسؤوليات مختلف المتدخلين.
من جهتها، نبهت مقررة التقرير زهرة الزاوي إلى التحديات الديموغرافية والاجتماعية التي يواجهها المغرب، وفي مقدمتها ارتفاع نسبة الشيخوخة وتغير بنية الأسرة المغربية، إضافة إلى الخصاص المسجل في مؤسسات استقبال المسنين ومهن الرعاية، معتبرة أن هذه المعطيات تفرض مراجعة شاملة للسياسات العمومية وتعزيز التنسيق بينها.
ويخلص التقرير إلى أن بناء منظومة فعالة لاقتصاد الرعاية لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة اجتماعية وتنموية، تقتضي تضافر الجهود بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، من أجل ضمان كرامة الفئات الهشة وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الخدمات والثروة.

