يقين 24: حليمة صومعي
لم يعد استقطاب الأحزاب للمنتخبين والفاعلين المحليين مجرد ممارسة تنظيمية عادية، بل أصبح في كثير من الأحيان عرضًا سياسيا مثيرا للقلق، يكشف حجم الانزلاق الذي تعرفه الممارسة الحزبية من منطق التأطير وخدمة الصالح العام إلى منطق الصفقات الانتخابية وتبادل المصالح.
ففي الوقت الذي يفترض أن تبني الأحزاب قوتها على البرامج والرؤى والكفاءات، اختارت بعض التنظيمات السياسية الطريق الأسهل: استقطاب “الأسماء الجاهزة انتخابيًا”، دون اعتبار للانسجام الفكري أو الالتزام الأخلاقي. والنتيجة هي مشهد سياسي هجين، تتنقل فيه الوجوه نفسها بين الأحزاب، وكأن الانتماء السياسي مجرد قميص يُغيَّر حسب الموسم الانتخابي.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يضرب فقط مصداقية الأحزاب، بل يوجه ضربة مباشرة لثقة المواطن في العمل السياسي. فكيف يمكن إقناع الساكنة بجدية الخطاب الحزبي، بينما ترى أمامها نفس المنتخبين ينتقلون من حزب إلى آخر، حاملين الشعارات نفسها بوجوه مختلفة؟
لقد تحولت “الكراسي” عند البعض من وسيلة لخدمة المواطن إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى رمز للنفوذ والامتيازات، تُخاض من أجلها معارك خفية وتُعقد تحالفات ظرفية، في مشهد يعكس أزمة قيم سياسية حقيقية. وهنا يطرح السؤال بحدة: أين هو المشروع المجتمعي؟ وأين هي المسؤولية الأخلاقية التي يفترض أن تؤطر الفعل السياسي؟
إن الأحزاب التي تراكم الأرقام الانتخابية دون بناء قواعد تنظيمية حقيقية، ودون تأطير المواطنين أو الاستثمار في الشباب والكفاءات، لا تصنع قوة سياسية، بل تؤسس لهشاشة مستقبلية سرعان ما تظهر مع أول اختبار اجتماعي أو اقتصادي.
كما أن استمرار هذا النهج يفتح الباب أمام العزوف الانتخابي، ويعمق الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى نخب مسؤولة قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى والإصلاحات الاستراتيجية.
الرهان اليوم لم يعد في “من استقطب من”، بل في من يملك الجرأة على تصحيح المسار، وقطع الطريق على الترحال السياسي الانتهازي، وإعادة الاعتبار للالتزام الحزبي القائم على الكفاءة والنزاهة وخدمة المصلحة العامة.
ختامًا، إذا استمرت الأحزاب في التعامل مع السياسة بمنطق الغنيمة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون حزبًا بعينه، بل المواطن المغربي وثقته في المؤسسات. أما إذا اختارت طريق الإصلاح الداخلي والصدق مع الناخبين، فقد تستعيد السياسة معناها الحقيقي: خدمة الوطن لا التنافس على المناصب.

