يقين 24/ حليمة صومعي
في كل موسم شتاء، ومع أولى موجات البرد والثلوج والأمطار، يتكرر المشهد ذاته: مواكب رسمية وحزبية تشد الرحال نحو المناطق الجبلية، عدسات مصوبة، تصريحات جاهزة، ووعود تُعاد صياغتها بنفس العناوين القديمة. ظاهريًا، هي “زيارات عمل” و“تدخلات استعجالية”، لكن في العمق، يطرح الشارع سؤالًا مشروعًا: هل نقيس هذه التحركات بحجم ما تحقق من إنجازات فعلية، أم بعدد الصور المنشورة ومحاولات كسب عطف الساكنة قبل الاستحقاقات الانتخابية؟
الساكنة الجبلية لم تعد تُخدع بسهولة. فسنوات من الوعود غير المنجزة صنعت وعيًا جماعيًا بأن العمل الحقيقي لا يُقاس بعدد الزيارات ولا بارتفاع نبرة الخطاب، بل بوجود طرق سالكة طوال السنة، ومراكز صحية مجهزة، ومدارس غير معزولة، وحلول دائمة لمشكل الماء الصالح للشرب، وليس بتدخلات ظرفية تُستدعى فقط عند وقوع الكوارث.
كل سنة تتكرر المأساة نفسها: عزلة بسبب الثلوج، فيضانات تقطع الطرق، ندرة الماء في الصيف، ومعاناة يومية لساكنة لا تطلب المستحيل، بل حقها في الحد الأدنى من العيش الكريم. ومع ذلك، تستمر الوعود في الدوران داخل نفس الحلقة المفرغة، بينما الواقع على الأرض يكشف هشاشة التخطيط وغياب الرؤية الاستباقية.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه التحركات بات يُقرأ كاستعراض سياسي أكثر منه تدبيرًا مسؤولًا للأزمات. فالصور تُلتقط، والبلاغات تُنشر، لكن بعد انطفاء الأضواء، تعود المناطق نفسها إلى نقطة الصفر، في انتظار موسم جديد من “الزيارات” بدل موسم جديد من الحلول.
اليوم، لم يعد شيء مخفيًا. المواطن صار يميز بين من يشتغل بصمت وباستمرارية، ومن يتحرك فقط عندما تقترب الانتخابات أو عندما تفرض الكوارث حضورًا إعلاميًا. لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في كسب تعاطف مؤقت، بل في استرجاع الثقة المفقودة عبر أفعال ملموسة، وبرامج واقعية، ومحاسبة واضحة على الوعود التي لم ترَ النور.
فالعمل السياسي الجاد لا يُبنى على استثمار معاناة الساكنة، بل على إنهائها. ومن أراد فعلًا خدمة الجبال وساكنتها، فليجعل الإنجاز سابقًا للزيارة، والحل دائمًا لا ظرفيًا، والمواطن شريكًا في القرار لا مجرد صورة في حملة موسمية.

