يقين24- كتابة الأستاذة صفاء قسطاني
لم تعد العطل المدرسية في سياق الإصلاح التربوي الراهن فترات فراغ زمني خارج منطق التعلم، بل أضحت مجالا استراتيجيا للاستثمار التربوي، في انسجام تام مع توجهات خارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت من تحسين التعلمات، والحد من الهدر المدرسي، ووضع المتعلم في صلب الاهتمام، مرتكزات أساسية للإصلاح.
وفي هذا الإطار، تبرز الأنشطة الموازية خلال العطل المدرسية كرافعة بيداغوجية فعالة لإعادة تنظيم الزمن المدرسي، ليس فقط من زاوية الدعم والتقوية، بل من حيث بناء شخصية المتعلم وتنمية كفاياته الحياتية والقيمية. فهي أنشطة تقوم على مبدأ الاستمرارية التربوية، وتستجيب لحاجيات فعلية للمتعلمين، خاصة في المواد الأساسية والمستويات الانتقالية، مما يسهم في تقليص الفجوات التعليمية والرفع من نسب التحكم في الكفايات الأساس.
ومن منظور وقائي، تؤدي هذه الأنشطة دورا حاسما في الحد من الهدر المدرسي، عبر تعزيز ارتباط المتعلم بالمؤسسة التعليمية، وتوفير بدائل تربوية جاذبة خلال فترات العطل، بما يحول المدرسة من فضاء موسمي للتعلم إلى إطار دائم للمواكبة والتنشئة.
كما تعكس الأنشطة الموازية تحولا نوعيا في الممارسة البيداغوجية، من خلال اعتماد مقاربات حديثة تقوم على التعلم النشط، والتعلم بالمشروع، والعمل الجماعي، وهو ما يسمح بتنمية الكفايات العرضانية، وترسيخ قيم المواطنة، وتعزيز روح المبادرة والمسؤولية، انسجاما مع رهانات المدرسة الدامجة والمنفتحة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بخنيفرة كنموذج عملي لهذا التوجه، من خلال تنظيم مخيمات وأنشطة تربوية خلال العطل، بشراكات متعددة مع جمعيات المجتمع المدني، خاصة العاملة في مجال التمدرس الاستدراكي، ومع فاعلين مؤسساتيين وخواص. وقد مكنت هذه التجربة من توسيع قاعدة الاستفادة، واستهداف فئات هشة، وتوفير فضاءات تربوية وتكوينية وترفيهية أسهمت في الإدماج الاجتماعي وتنمية المهارات الحياتية.
ويُسجَّل في هذا الإطار الدور المحوري الذي اضطلعت به مؤسسة التفتح للتربية والتكوين، باعتبارها فضاء تربويا مكمِّلًا للتعليم النظامي، أسهم في احتضان أنشطة ثقافية وفنية وتعبيرية، وصقل مواهب المتعلمين، وترسيخ التعلم عبر الممارسة والتجريب، بما يعزز الذكاء الإبداعي والإجتماعي ويقوي الثقة بالنفس.
ولا يقل عن ذلك أهمية انخراط الجمعيات الشريكة في مجال التمدرس الاستدراكي، التي ساهمت في تنظيم برامج الدعم والمواكبة، والمخيمات التربوية، والأنشطة الترفيهية الهادفة، ميسرة مسارات إعادة الإدماج المدرسي، ومؤكدة أن محاربة الهدر المدرسي مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية.
كما شكّل انخراط الأسر وجمعيات الآباء عنصرًا داعمًا لنجاح هذه المبادرات، من خلال المواكبة والتتبع، وتعزيز استمرارية المتعلمين، وهو ما كرس مقاربة تشاركية تقوم على الثقة وتقاسم المسؤولية التربوية.
إن نجاعة الأنشطة الموازية خلال العطل تظل رهينة بوضوح الرؤية، ودقة التشخيص، وجودة البرمجة، واعتماد آليات لتقويم الأثر التربوي، بما يضمن استدامتها وتحويلها من مبادرات ظرفية إلى سياسة تربوية داعمة للإصلاح.
وخلاصة القول، تشكل الأنشطة الموازية خلال العطل المدرسية انتقالًا واعيًا من منطق تدبير الزمن إلى منطق استثماره تربويًا، بما يعزز جودة التعلمات، ويقوي أدوار المدرسة في التنشئة والقيم، ويجعل من الشراكة والتكامل رافعة حقيقية لإنجاح الإصلاح التربوي.
وانسجامًا مع ما سبق، فإن تحويل الأنشطة الموازية خلال العطل المدرسية إلى رافعة مستدامة للإصلاح التربوي يقتضي الانتباه إلى جملة من الرهانات العملية، من بينها:
أولًا، الانطلاق من تشخيص تربوي دقيق لحاجيات المتعلمين، يراعي الفروق الفردية والخصوصيات المجالية، حتى لا تتحول الأنشطة إلى برامج عامة تفتقد للأثر التعليمي المنشود.
ثانيًا، تعزيز دور مؤسسة التفتح للتربية والتكوين باعتبارها فضاءً بيداغوجيًا مكملًا للتعليم النظامي، وذلك عبر دعم مواردها البشرية، وتثمين خبراتها، وربط تدخلاتها بشكل أوثق بأهداف تحسين التعلمات وتنمية الكفايات الحياتية.
ثالثًا، تأطير الشراكات مع الجمعيات الشريكة، خاصة العاملة في مجال التمدرس الاستدراكي، في إطار تعاقدي واضح يضمن تكامل الأدوار، واستمرارية البرامج، وجودة التأطير خلال فترات العطل.
رابعًا، تعميق انخراط الأسر وجمعيات الآباء في التتبع والتقويم، بما يعزز الثقة المتبادلة، ويكرّس الأسرة كشريك تربوي فاعل في دعم استمرارية المتعلمين ونجاحهم.
خامسًا، اعتماد آليات موضوعية لتقويم الأثر التربوي للأنشطة الموازية، تجمع بين المؤشرات الكمية والنوعية، وتسمح بقياس أثرها على التعلمات، والسلوك، والاندماج المدرسي.
سادسًا، توثيق التجارب الميدانية الناجحة وتقاسمها بين المديريات والمؤسسات التعليمية، قصد تعميم الممارسات الفضلى وتحويل المبادرات المحلية إلى مرجعيات وطنية داعمة للإصلاح.
إن إدراج هذه التوصيات ضمن الرؤية العامة للإصلاح كفيل بجعل الأنشطة الموازية خلال العطل المدرسية ليست فقط استجابة ظرفية، بل خيارًا بيداغوجيًا استراتيجيًا، يعيد الاعتبار للزمن التربوي، ويمنح المدرسة أدوارًا أوسع في التنشئة، والإدماج، وبناء المواطن.

