يقين 24 لخضر حمزة
اعتاد عدد من المواطنين عبر سنوات طويلة أن لا يروا في تدخلات السلطة المحلية سوى صورة واحدة الهدم الحجز الإفراغ وتطبيق القانون.
صورة ترسخت في الأذهان حتى أصبح يُنظر إلى السلطة باعتبارها أداة صارمة لا تعرف إلا المنع والزجر. غير أن ما جرى في سوق شادية بالحي الحسني كشف وجهاً آخر قلّما يُسلّط عليه الضوء، وجهاً يجمع بين الحزم والإنسانية، وبين تطبيق القانون واستحضار معاناة الفئات الهشة.
فقد كان سوق شادية، لسنوات، سوقاً عشوائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فضاء غير مهيكل، انتشرت فيه القوارض والديدان، وانبعثت منه روائح كريهة أزعجت الساكنة.
المجاورة، كما تسبب في انسداد متكرر للبلوعات، ما خلق وضعاً بيئياً وصحياً مقلقاً، خاصة في محيط سكني يعرف كثافة سكانية مرتفعة.
وأمام تفاقم هذه الأوضاع، توصلت السلطات المحلية بعدة شكايات من المواطنين، عبّرت عن تخوفها من استمرار السوق في غياب شروط النظافة والسلامة. وقد واكبت المنابر الإعلامية هذه الوضعية، وكانت شاهدة على حجم الاختلالات التي عرفها المكان.
في هذا السياق، تدخلت السلطة المحلية بكل حزم ومسؤولية، حيث تم إخلاء الشارع وتنقيته في عملية ميدانية شاركت فيها مؤسسات متخصصة، من بينها شركة أڨيردة المفوض لها قطاع النظافة، وشركة كازا بيئة التي أشرفت على محاربة القوارض والحشرات والكلاب الضالة، في خطوة استهدفت بالأساس حماية الصحة العامة وإعادة النظام إلى الفضاء العمومي.

غير أن هذا التدخل، رغم ضرورته، أعاد إلى الواجهة إشكالاً اجتماعياً حساساً يتعلق بوضعية الباعة الجائلين، الذين كانوا يعتمدون على السوق كمصدر رزق وحيد. وهنا، اختارت السلطات المحلية ألا تكتفي بالمنع والإفراغ، بل أن تفكر في حل إنساني يراعي واقع هذه الفئة الهشة.
وبعد أيام قليلة فقط، وبـ مجهودات مباشرة للسلطة المحلية، تم العمل على إيجاد فضاء بديل ومنظم لفائدة الباعة الجائلين، مع إخضاعهم لشروط واضحة تقوم على احترام النظام، والنظافة، والقوانين الجاري بها العمل، بما يضمن لهم الاستمرار في النشاط دون الإضرار بالمجال العام أو بصحة المواطنين.
وقد جاء هذا التوجه بتدخل من السيدة العاملة على عمالة مقاطعة الحي الحسني، وتحت إشراف باشا المنطقة، وبتنظيم ميداني أشرف عليه قائد المنطقة زكرياء الشريفي وأعوانه، الذين سهروا على إنجاح العملية وضمان انتقال هادئ من وضع عشوائي إلى إطار منظم.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن ما وقع بسوق شادية يشكل نموذجاً لتدخل متوازن، يثبت أن السلطة المحلية قادرة، متى توفرت الإرادة، على الجمع بين صرامة القانون ودفء البعد الإنساني، بعيداً عن المقاربات التي تكتفي بالهدم دون بدائل.
غير أن هذا الملف، رغم إيجابيته، يفتح نقاشاً أوسع حول ضرورة اعتماد حل شامل يشمل جميع الباعة الجائلين بالحي الحسني وبمحيطه، حتى لا تتحول الحلول المؤقتة إلى مجرد ترحيل للمشكل من شارع إلى آخر.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى إحداث أسواق نموذجية ومهيكلة، تحفظ كرامة الباعة الجائلين، وتوفر لهم فضاءات عمل لائقة، وهي مسؤولية تقع بالدرجة الأولى على عاتق المجالس المنتخبة، التي تبقى مطالبة بالانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقية.

سوق شادية، في النهاية، لم يكن مجرد عملية إفراغ، بل رسالة مفادها أن السلطة المحلية ليست فقط يدًا تطبق القانون، بل يمكنها أيضاً أن تكون قلباً يفهم معاناة الناس، حين تُدار الأمور بعقل وحس إنساني.

