يقين 24 – لخضر حمزة
شهدت مدينة الدار البيضاء خلال الآونة الأخيرة حركية ملحوظة لعدد من الجمعيات والهيئات المدنية التي جعلت من ملف تدبير النفايات والصفقات العمومية المرتبطة به محورًا لاهتمامها وتتبعها. هذه الدينامية، التي تُقدَّم في ظاهرها كجزء من أدوار المجتمع المدني في مراقبة الشأن العام والدفاع عن الشفافية، أعادت إلى الواجهة نقاشًا أعمق حول طبيعة هذا التدخل وحدوده، وكذا الوسائل المعتمدة في التأثير على مسارات القرار.
وفي الوقت الذي يُعد فيه التتبع المدني والمساءلة حقًا مشروعًا، فإن بعض الممارسات تثير تساؤلات مشروعة حين تتجاوز إبداء الرأي أو تقديم الملاحظات التقنية، لتأخذ شكل ضغط غير مباشر عبر بلاغات متزامنة، أو علاقات واتصالات تُمارَس خارج القنوات المؤسساتية المعروفة. ورغم أن هذه التحركات لا تخرج، شكليًا، عن الإطار القانوني، إلا أن أثرها العملي ينعكس أحيانًا في توجيه أولويات التدبير وتحويل ملفات تقنية معقدة إلى أدوات ضغط رمزية، خاصة عندما تنصّب بعض الهيئات نفسها ممثلًا أخلاقيًا وحيدًا للساكنة.
وسط هذا السياق المتشابك، يظل عمال النظافة الحلقة الأضعف والأكثر تأثرًا بأي توتر أو ارتباك في مسار الصفقات والخدمات. فهؤلاء العمال ليسوا مجرد بنود في دفاتر التحملات، بل فئة اجتماعية تؤدي وظيفة حيوية تمس الصحة العامة وكرامة المدينة. وأي ضغط، معلن أو غير معلن، غالبًا ما ينعكس مباشرة على استقرارهم المهني والاجتماعي، دون أن تكون لهم علاقة بخلفيات الصراع أو حساباته الجمعوية أو السياسية.
ويكتسي الضغط غير الرسمي، سواء عبر الاتصالات الهاتفية أو شبكات العلاقات، أهمية خاصة في السياق البيضاوي، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الملفات، ما يجعل التأثير خارج الوثائق الرسمية أداة غير مرئية لكنها فعّالة. وفي هذا الإطار، تطرح أسئلة جوهرية حول ما إذا كان هذا الحضور الجمعوي نابعًا من عمل منهجي ومستدام، أم أنه مرتبط بظرفيات معينة وسياقات سياسية محددة، بل وحول ما إذا كانت بعض التدخلات تخفي أحيانًا سعيًا لتحقيق امتيازات أو مصالح ضيقة باسم الدفاع عن الصالح العام.
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في ترسيم حدود واضحة بين الرقابة المدنية المشروعة والضغط المقنّع، وبين الدفاع الصادق عن المصلحة العامة واستعمالها كرافعة لتحقيق أهداف غير معلنة. فعندما تُدار ملفات حيوية بمنطق النفوذ بدل منطق التوازن والمؤسسات، يكون المتضرر الأول هم العمال والمواطنون، وتُدفع كلفة الصراع خارج الفضاءات الطبيعية للنقاش واتخاذ القرار.
ومن جهة أخرى، يبقى الدفاع الفعلي عن حقوق عمال النظافة رهينًا بالهيئات النقابية التي تمثلهم ميدانيًا وتلامس واقعهم اليومي. فالمعرفة الحقيقية بظروف العمل والمعاناة المهنية لا تتأتى إلا من داخل القطاع نفسه، ما يفرض التمييز بين التمثيل الرمزي والتمثيل الحقيقي، وبين الخطاب الإعلامي والقدرة الفعلية على الدفاع والترافع.
وفي الختام، تؤكد جريدة يقين 24 التزامها بمتابعة هذا الملف وغيره من قضايا تدبير الشأن المحلي بمهنية وتجرد، اعتمادًا على المعطيات الموثقة واستكمال عناصر الصورة قبل إصدار أي توصيف أو حكم. فدور الإعلام يظل قائمًا على التتبع والتحليل ونقل الوقائع للرأي العام، مع التنويه بكل المبادرات الجمعوية الجادة والمسؤولة التي تضع مصلحة المدينة والمواطن فوق أي اعتبار.

