يقين 24
أطلقت رئاسة النيابة العامة توجهاً جديداً في تدبير القضايا الجنائية، من خلال دورية حديثة دعت فيها إلى إعادة ضبط ممارسة الاستنطاق وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في فلسفة التعامل مع المشتبه فيهم، وترمي إلى الحد من الاعتقال الاحتياطي وترسيخ قرينة البراءة كأصل ثابت في المسطرة الجنائية.
وحسب معطيات توصلت بها يقين 24، فقد وُجّهت هذه الدورية إلى مختلف المسؤولين القضائيين بالنيابات العامة، مع التأكيد على أن مرحلة الاستنطاق تشكل لحظة مفصلية في المسار القضائي، باعتبارها أول احتكاك مباشر بين المشتبه فيه وقاضي النيابة العامة، وهو ما يفرض دراسة دقيقة للمحاضر، وتكييفاً سليماً للوقائع، مع تحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومتطلبات حماية النظام العام.
وشددت رئاسة النيابة العامة على ضرورة التقيد الصارم بالمقتضيات القانونية الجديدة الواردة في قانون المسطرة الجنائية، خاصة تلك التي جاءت بها التعديلات الأخيرة، والتي وسّعت من دائرة الضمانات القانونية لفائدة المشتبه فيهم، وعلى رأسها الحق في الصمت، والإشعار بالتهم المنسوبة، والاتصال بمحام، وإخبار العائلة، إلى جانب احترام الشروط القانونية للإيقاف والحراسة النظرية.
وفي هذا السياق، أكدت الدورية على أهمية التعليل الصريح لكل القرارات المتخذة، خاصة تلك المتعلقة بالمتابعة في حالة اعتقال، مع اعتبار الاعتقال الاحتياطي إجراءً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى، واستحضار قرينة البراءة كمرتكز أساسي في اتخاذ القرار القضائي.
كما دعت النيابة العامة إلى تفعيل بدائل المتابعة الزجرية، وفي مقدمتها الوساطة والصلح، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء مؤهلين، في أفق تخفيف الضغط على المحاكم، وتعزيز العدالة التصالحية، خاصة في القضايا التي لا تمس بالنظام العام بشكل خطير.
وأكدت التوجيهات الجديدة على ضرورة اعتماد مقاربة إنسانية ومهنية أثناء الاستنطاق، لا سيما في القضايا التي يكون أطرافها من الفئات الهشة، كالأطفال والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنين، مع الحرص على توفير مترجم أو أي وسيلة تواصل مناسبة كلما اقتضت الحاجة.
وعلى المستوى العملي، دعت رئاسة النيابة العامة إلى ترشيد اللجوء إلى الحراسة النظرية، وتنظيم عمليات التقديم أمام النيابات العامة، مع إمكانية انتقال وكلاء الملك ونوابهم إلى مقرات الشرطة القضائية لتسريع الإجراءات، وتفادي الاكتظاظ بمكاتب التقديم، وضمان البت داخل آجال معقولة.
وتأتي هذه التوجيهات في سياق إصلاح أوسع لمنظومة العدالة الجنائية، يهدف إلى تعزيز الثقة في القضاء، وتحسين جودة القرارات القضائية، وضمان احترام الحقوق والحريات، بما ينسجم مع الالتزامات الدستورية للمملكة والمعايير الدولية ذات الصلة.

