يقين 24
في سابقة لافتة منذ انطلاق الولاية الحكومية الحالية، ألغيت الندوة الصحفية الأسبوعية للناطق الرسمي باسم الحكومة، في توقيت اختار فيه وزير الشباب والثقافة والتواصل تنظيم ندوة منفردة عقب انعقاد مجلس الحكومة. واقعة بدت في ظاهرها تقنية أو تنظيمية، لكنها في عمقها السياسي أعادت إلى الواجهة سؤال الانسجام داخل مكونات الأغلبية.
الظهور المنفرد للوزير محمد المهدي بنسعيد، مقابل غياب مصطفى بايتاس عن منصة التواصل الحكومي المعتادة، لم يمر مرور الكرام. فالتزامن الزمني بين الحدثين، في ظل سياق يتسم بحساسية بعض الملفات التشريعية المرتبطة بقطاع العدالة والإعلام، منح الواقعة أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد إعادة ترتيب في البرمجة التواصلية.
مصادر متابعة للشأن الحكومي اعتبرت أن المشهد يعكس توتراً غير معلن بين مكونات التحالف، خاصة بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، في ظل تباين وجهات النظر حول تدبير بعض القوانين المثيرة للنقاش. ويرى مراقبون أن منصات التواصل الرسمية للحكومة تحولت، في هذه اللحظة، إلى فضاء لتمرير رسائل سياسية غير مباشرة، تعكس صراع مواقع أكثر مما تعكس اختلافاً في البرامج.
الندوة التي احتضنها مقر قطاع التواصل عرفت بدورها ارتباكاً تنظيمياً بسبب الاكتظاظ، وهو ما أضفى على الحدث طابعاً استثنائياً زاد من حدة التأويلات. فبين من قرأ الخطوة كمحاولة لتعزيز الحضور السياسي والإعلامي لوزير بعينه، ومن اعتبرها مجرد تزامن عفوي فرضته الالتزامات، ظل الغموض سيد الموقف.
في المقابل، تؤكد معطيات مقربة من محيط الناطق الرسمي أن إلغاء الندوة لم يكن نتيجة خلفيات سياسية، بل مرتبط ببرمجة سابقة، مشددة على أن التأويلات المتداولة لا تستند إلى معطيات رسمية. غير أن منطق السياسة لا يكتفي بالنفي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإشارات تصدر في لحظة حساسة.
الواقعة، في مجملها، تضع تماسك الأغلبية الحكومية تحت المجهر، وتعيد طرح سؤال تدبير الخلافات داخل التحالف بعيداً عن الواجهة الإعلامية. فحين تتعدد المنصات وتتباين الرسائل، يصبح الانسجام السياسي رهيناً بقدرة الفاعلين على تنسيق المواقف قبل تنسيق الندوات.
ويبقى الثابت أن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان الأمر يتعلق بسحابة صيف عابرة في سماء التحالف، أم بمؤشر أولي على إعادة رسم موازين القوة داخل الأغلبية، في سياق سياسي يتسم بحساسية الملفات وتشابك الحسابات.

