يقين 24
رغم الحملات الأمنية المتواصلة لتوقيف المتورطين في السرقات تحت التهديد، لا يزال هاجس “الكريساج” يؤرق عدداً من أحياء الدار البيضاء، في ظل شكايات متكررة تتعلق بضعف الإنارة العمومية وغياب أو محدودية كاميرات المراقبة في بعض النقاط الحساسة، ما يطرح تساؤلات حول مدى تكامل المقاربة الأمنية مع تدبير الفضاء الحضري.
وخلال الأشهر الماضية، أعلنت مصالح الأمن الوطني عن تفكيك شبكات تنشط في السرقات بالعنف بمدينة الدار البيضاء ونواحيها، معتمدة في عدد من القضايا على تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة وتتبع تحركات المشتبه فيهم. كما أبرزت حصيلة المديرية العامة للأمن الوطني لسنة 2025 تعزيز منظومة “المراقبة الذكية” بعدد من المدن الكبرى، من بينها الدار البيضاء، بهدف دعم جهود الوقاية والزجر داخل الفضاء العام.
غير أن هذه النتائج، رغم أهميتها، تصطدم في الميدان بشكايات متكررة من سكان يتحدثون عن وجود “نقط سوداء” تغيب فيها الإنارة أو تكون ضعيفة، خاصة في الأزقة الداخلية والمسالك الرابطة بين الأحياء، ومحيط المؤسسات التعليمية ومحطات النقل، بل وحتى في بعض المقاطع من الشوارع الكبرى ومناطق وسط المدينة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تداولت صفحات محلية ومراسلات صادرة عن سكان أحياء من بينها حي الرحمة، صوراً ومقاطع تُظهر أعمدة إنارة معطلة ومسالك يغيب عنها الضوء كلياً، معتبرين أن هذا الوضع يساهم في تهيئة ظروف ملائمة لوقوع اعتداءات خلال الفترة الليلية ويؤثر على الإحساس العام بالأمن.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن بعض حوادث الاعتداء تقع في مناطق تقل فيها الحركة بعد غروب الشمس، حيث يسهل غياب الإنارة استهداف الضحايا والفرار بسرعة. ورغم أن هذه المعطيات تستند أساساً إلى شهادات ميدانية غير رسمية، فإن تكرارها في أحياء متفرقة يعكس وجود إشكال خدماتي ذي انعكاس مباشر على الجانب الأمني.
في المقابل، أبانت حالات عديدة أن توفر كاميرات مراقبة فعالة يساهم في تحديد هوية المشتبه فيهم وتسريع عملية توقيفهم، لا سيما في الشوارع الرئيسية والمناطق التجارية. غير أن تغطية هذه الكاميرات تظل غير متكافئة، إذ تتركز غالباً في المحاور الكبرى، بينما تبقى أزقة وأحياء سكنية خارج نطاق المراقبة المنتظمة.
وتؤكد مصادر محلية أن تحقيق النجاعة يقتضي الجمع بين “الكاميرات والفرق الميدانية”، معتبرة أن تثبيت الأجهزة دون صيانة دورية وربط فعلي بمراكز القيادة لا يحقق النتائج المرجوة.
من جهة أخرى، عاد ملف الإنارة العمومية إلى جدول نقاش مجلس جماعة الدار البيضاء، في ظل حديث عن الحاجة إلى تعبئة تمويلات إضافية لتأهيل الشبكة وتوسيعها تماشياً مع التوسع العمراني المتواصل. ويرى متابعون أن الاستثمار في الإنارة لم يعد مجرد تحسين جمالي أو خدماتي، بل أصبح عنصراً أساسياً في منظومة الأمن الحضري.
وفي السياق ذاته، يشدد خبراء في الشأن المحلي على ضرورة اعتماد مقاربة مزدوجة لمواجهة الظاهرة، تقوم على إطلاق خطة استعجالية لإصلاح وتعميم الإنارة في النقط التي تعرف شكايات متكررة، مع إعداد خرائط دقيقة تحدد “الممرات الحرجة”، إلى جانب توسيع شبكة كاميرات المراقبة بشكل مدروس ليشمل الأزقة والممرات الثانوية، مع ضمان صيانتها وربطها الفوري بمراكز المراقبة الأمنية.
ويرى متتبعون أن مدينة بحجم الدار البيضاء لا يمكن أن تفصل بين الأمن والتخطيط الحضري، فبينما تواصل الأجهزة الأمنية ملاحقة المتورطين في جرائم الشارع، يبقى الضوء والكاميرا عنصرين أساسيين في الوقاية والردع. ومع تصاعد شكايات السكان بشأن “النقط المظلمة”، تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق أكبر بين السلطات المحلية والمصالح الأمنية، لتحويل مواجهة “الكريساج” من رد فعل ظرفي إلى سياسة استباقية شاملة

