يقين 24
أعاد انخراط المغرب في الاجتماع الافتتاحي لما يسمى بـ“مجلس السلام” في واشنطن طرح أسئلة عميقة حول تموقع الرباط داخل خرائط الأمن الدولي المتحولة.
فبعيداً عن القراءة السطحية للحدث، تكشف المشاركة المغربية عن انتقال نوعي من دبلوماسية تقليدية قائمة على الدعم السياسي إلى حضور فعلي داخل دوائر صناعة آليات تدبير الأزمات وإعادة الإعمار، وفي مقدمتها ملف غزة.
وقُدمت المبادرة الأمريكية كصيغة عملية لتجاوز بطء الآليات الدولية الكلاسيكية، عبر مقاربة “الفعل بدل الجدل”، والتركيز على التنسيق الميداني وإعادة الإعمار كمدخل للاستقرار.
وفي هذا السياق، أعلن المغرب دعمه لأي مبادرة جادة تحقق سلاماً عادلاً ودائماً، مع التشديد في الوقت ذاته على مرجعية الحل السياسي القائم على حل الدولتين والمرتكزات الأممية المعترف بها دولياً.
ويبرز هذا التوازن بين الانخراط العملي والتمسك بالشرعية الدولية، وفق قراءات أكاديمية، تطوراً في العقيدة الدبلوماسية المغربية نحو ما يمكن تسميته بـ“المتعدد الأطراف العملياتي”، أي الانتقال من خطاب الالتزام بالمؤسسات الدولية إلى المساهمة في صياغة أطر جديدة لإدارة النزاعات، دون القطيعة مع المرجعيات الأممية.
ويرتبط البعد الأكثر إثارة للجدل بإمكانية مساهمة المغرب في قوة دولية لتثبيت الاستقرار في غزة. فالمملكة تملك رصيداً طويلاً في عمليات حفظ السلام الأممية وخبرة مؤسساتية في مجالات الأمن وإعادة بناء الهياكل الإدارية، غير أن أي انخراط ميداني مباشر يطرح رهانات دبلوماسية وجيوسياسية دقيقة، تتعلق بشرعية الإطار القانوني، وحساسية التوازنات الإقليمية، وإدارة الرأي العام الداخلي.
في المقابل، اختار المغرب طرح مقاربة شاملة تتجاوز الجانب الأمني، عبر إعلان التزامات إنسانية ومؤسساتية ومالية لدعم إعادة إعمار غزة، في رؤية تعتبر أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالإغاثة الإنسانية فقط، بل عبر إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الحكامة المحلية ومنع إعادة إنتاج أسباب الانفجار.
هذه المشاركة تضع الرباط في موقع جديد داخل مشهد دولي يتجه نحو صيغ مرنة لإدارة الأزمات، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها معيار النفوذ، بل القدرة على الوساطة، وبناء التوافقات، وابتكار أطر تعاون عابرة للتحالفات التقليدية.
وفيما تحافظ القضية الفلسطينية على ثوابتها وتوسيع حضورها في هندسة الأمن الدولي، يبدو أن المغرب يخوض مرحلة إعادة تموضع محسوبة قد تعيد رسم صورته كفاعل محوري في ترتيبات ما بعد الأزمات.

