يقين24 – أحمد زعيم
عاد ملف المقبرة الإسلامية بمدينة الفقيه بن صالح إلى واجهة النقاش المحلي، عقب تشييع جنازة رشيد الباكوتي، شهيد الواجب من صفوف الأمن، الذي وافته المنية إثر حادثة سير بسيدي إفني. وقد جرى دفنه ليلة أمس مباشرة بعد الإفطار، في أجواء امتزجت فيها الرسمية بالحزن والتقدير لتضحياته. غير أن لحظة الوداع، التي يفترض أن تطبعها السكينة والوقار، كشفت واقعا مؤلما يتمثل في غياب الإنارة، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات متجددة حول مدى إحترام حرمة الموتى وتوفير الحد الأدنى من الشروط الإنسانية لدفنهم.
المشيعون وجدوا أنفسهم أمام ظلام دامس بمحيط المقبرة وداخلها، واضطروا إلى الإستعانة بمصابيح الهواتف وأضواء يدوية لتلمس الطريق بين القبور، في مشهد استنكره عدد من الحاضرين وإعتبروه غير لائق بحرمة المكان.
كما أقيمت صلاة الجنازة خارج أسوار المقبرة قبل الولوج إليها في ظروف يغيب فيها الضوء وتنعدم فيها التهيئة، وهو وضع رأى فيه متتبعون مساسا بكرامة الأحياء وهم يرافقون ذويهم إلى مثواهم الأخير.
الكاتب الصحفي حسن فقير وصف عملية الدفن بأنها لحظة صادمة أبرزت حجم الخصاص الذي تعانيه المقبرة، خاصة في الفترات التي يُفضل فيها الدفن مساء، سواء بسبب إرتفاع درجات الحرارة صيفا أو لإعتبارات تنظيمية. واعتبر أن المقبرة ليست فضاء هامشيا خارج حسابات التدبير المحلي، بل مرفقا عموميا يعكس صورة المدينة وقيمها ومدى إحترامها لكرامة الإنسان في مختلف مراحله.
عدد من الحاضرين عبروا بدورهم عن إستغرابهم من إستمرار هذا الوضع، متسائلين عن ترتيب الأولويات في تدبير المرافق العمومية، في وقت تُضاء فيه بعض الفضاءات بأضواء كاشفة قوية، بينما تظل المقابر غارقة في العتمة رغم رمزيتها الروحية والإنسانية.
وتتجدد، تبعا لذلك، الدعوات الموجهة إلى المجلس الجماعي والسلطات المحلية.. من أجل التدخل العاجل لتركيب إنارة عمومية بمحيط المقبرة وداخلها، وتعزيز الحراسة، وتحسين النظافة والتهيئة وصيانة المرافق، بما يضمن أداء شعيرة الدفن في ظروف تحفظ السكينة والوقار.
فإحترام الموتى ليس مطلبا ثانويا، بل واجب أخلاقي ومجتمعي يعكس مستوى الوعي الجماعي بقيمة الإنسان.
إن مطلب الإنارة لم يعد مطلبا تقنيا أو خدميا فحسب، بل أضحى مطلبا إنسانيا ملحا، لا يقتصر على المقبرة الإسلامية بالفقيه بن صالح وحدها، بل يشمل جميع مقابر الإقليم والمملكة، حتى لا تتحول لحظة الوداع الأخيرة إلى معاناة إضافية، وتظل المقابر فضاءات للرحمة والسكينة، لا أماكن يلفها الظلام والإهمال.

