يقين 24 – يوسف حكمي
لم يعد الإعلام النقابي اليوم مجرد أداة لنقل الخبر أو توثيق الأنشطة، بل أضحى مجالًا حقيقيًا للصراع حول الوعي والتأثير وصياغة المواقف داخل مجتمع تتسارع فيه التحولات الرقمية وتتغير فيه قواعد إنتاج الخبر وتداوله. ومن ثَمّ، لم يعد سؤال الإعلام داخل التنظيم النقابي سؤالًا تقنيًا، بل خيارًا استراتيجيًا يرتبط بقدرة التنظيم على التأطير والحضور والدفاع عن قضايا الطبقة العاملة.

وفي هذا السياق، احتضن المقر المركزي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء يومًا دراسيًا نظمته سكرتارية الإعلام والتواصل تحت عنوان “الإعلام الكونفدرالي.. رهان مرحلة وانتظارات الطبقة العاملة: الأدوار والآليات”، شكل لحظة جماعية للتفكير في موقع الإعلام داخل المشروع النقابي الكونفدرالي واستشراف آفاق تطويره بما يواكب تحولات المرحلة.

وقبل انطلاق أشغال اليوم التكويني، افتتحت اللقاء كلمات ترحيبية أكدت جميعها مركزية الإعلام في العمل النقابي الراهن؛ حيث أبرز نائب الكاتب العام للكونفدرالية، الأخ يونس فيراشين، أهمية بناء خطاب إعلامي مسؤول يعكس هوية المنظمة وتاريخها النضالي ويقوي جسور التواصل مع الشغيلة. كما توقف منسق سكرتارية الإعلام والتواصل، الأخ محمد الحطاطي، عند الرهانات المطروحة أمام الإعلام الكونفدرالي وضرورة الانتقال نحو عمل إعلامي أكثر تنظيمًا وفعالية. فيما قدم الفاعل الإعلامي الكونفدرالي عبد الواحد الحطابي قراءة عملية لتجربة الإعلام النقابي وأدواره في مواكبة الدينامية التنظيمية وتعزيز حضور الكونفدرالية داخل الفضاء العمومي.

وقد تولى تأطير أشغال هذا اليوم الدراسي كل من الدكتور حاتم بومهود والدكتور مهدي عامري، أستاذي المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، حيث قدم العرضان مقاربة علمية وعملية للتحولات التي يعرفها الحقل الإعلامي في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، مبرزين الانتقال من إعلام تقليدي قائم على الوساطة إلى إعلام رقمي تفاعلي تتحكم فيه الخوارزميات ومنصات التواصل والذكاء الاصطناعي. كما توقف التأطير عند تحديات بناء خطاب نقابي قادر على المنافسة داخل فضاء إعلامي مفتوح وسريع التأثير، يفرض إنتاج محتوى مهني، واضح الرسائل، ومؤسس على المصداقية والمعرفة الدقيقة بالجمهور المستهدف.

وقد تم التأكيد خلال العرضين على أن الإعلام النقابي لم يعد وظيفة ملحقة بالعمل التنظيمي، بل أصبح أحد محددات قوته الاستراتيجية، باعتباره أداة للتأطير وصناعة الرأي وتعزيز الثقة، مما يفرض الاستثمار في التكوين الإعلامي، وتطوير الكفاءات التواصلية، واعتماد رؤية استباقية قادرة على مواكبة التحولات بدل الاكتفاء بردّ الفعل تجاهها.
النقاش الذي طبع أشغال اللقاء أبرز وعيًا جماعيًا بضرورة تجاوز منطق الإعلام المناسباتي نحو إعلام استراتيجي قائم على التخطيط، وضبط الرسائل، وربط الخطاب الإعلامي بالفعل الميداني والتنظيمي، بما يجعل التواصل أداة للتأطير والتعبئة وليس مجرد وسيلة للإخبار.
لقد شكل هذا اليوم الدراسي لحظة تفكير جماعي في مستقبل الإعلام الكونفدرالي، باعتباره رافعة تنظيمية وأحد شروط قوة الفعل النقابي في زمن تتداخل فيه معركة المطالب مع معركة التأثير وصناعة المعنى.

