يقين 24
تعيش منطقة “بين لقشالي”، المعروفة بالحي العسكري – يوسف بن تاشفين بمدينة مراكش، على وقع مرحلة جديدة من عمليات الهدم في إطار مشروع إعادة الهيكلة والترحيل نحو القطب الحضري بالعزوزية. غير أن ما يُقدَّم رسمياً كخطوة في مسار التأهيل الحضري، يُنظر إليه من طرف عدد من الأسر باعتباره منعطفاً حاسماً قد يعمّق هشاشة اجتماعية راكمتها سنوات من الانتظار.
أرقام الهدم… ورواية التأهيل
منذ أواخر يناير الماضي، باشرت السلطات المحلية حملة جديدة شملت عشرات المنازل، لترتفع الحصيلة الإجمالية إلى نحو 500 مسكن، ضمن مرحلة أولى تستهدف قرابة ألف وحدة سكنية بعدد من التجمعات المجاورة. ووفق المعطيات الرسمية، يندرج المشروع ضمن رؤية لإعادة إسكان القاطنين بالعزوزية وتوفير شروط عيش أفضل، في سياق محاربة السكن غير اللائق وتحسين المشهد الحضري لمدينة تستعد لاحتضان تظاهرات دولية كبرى.
غير أن هذا المسار، رغم أهدافه المعلنة، أعاد فتح نقاش قديم حول الكلفة الاجتماعية لمشاريع إعادة الهيكلة، ومدى جاهزية البدائل المطروحة لاستيعاب الأسر المتضررة.
احتجاجات ومطالب بإعمال محاضر سابقة
فرع المنارة مراكش لـالجمعية المغربية لحقوق الإنسان دعا إلى وقف عمليات الهدم والترحيل القسري، مطالباً بضمانات واضحة تحمي الأسر من التشرد وتؤمّن استقرارها الاجتماعي. كما شدد على ضرورة تفعيل مسطرة التمليك استناداً إلى المذكرة الملكية لسنة 2001، ومحضري 2002 و2011، مع اعتماد معايير شفافة ومنصفة في التقويم والتعويض.
وتؤكد شهادات محلية أن بعض الأسر فقدت مساكنها ومصادر رزقها دون وضوح كافٍ بشأن التعويضات أو البدائل، فيما أغلقت أنشطة تجارية صغيرة كانت تشكل مورد عيش أساسي لعدد من السكان. كما أثيرت مخاوف من انقطاع بعض الأطفال عن الدراسة بسبب تغيير مكان الإقامة، ما يطرح سؤالاً حول مواكبة اجتماعية موازية لعملية الترحيل.
ملف عمره أكثر من عقدين
قضية “بين لقشالي” ليست وليدة اللحظة. فجزء من جذورها يعود إلى محضر سنة 2011 الخاص بإعادة الهيكلة، والذي ظل، بحسب متابعين، دون تنزيل فعلي لسنوات، ما أفرز حالة من الضبابية القانونية وانتظار طويل لتسوية الوضعية العقارية. وبين وعود متكررة بالتسوية وعمليات هدم متعاقبة، تعيش الساكنة على إيقاع توتر دائم.
مدينة تتألق… وأحياء تبحث عن ضمانات
في المقابل، تواصل مراكش تعزيز مكانتها كوجهة سياحية عالمية، بعد تسجيل أكثر من 13,6 مليون ليلة مبيت سنة 2025 بنسبة إشغال بلغت 73 في المائة. هذا الزخم الاقتصادي يعكس دينامية واضحة، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤال العدالة المجالية: كيف يمكن التوفيق بين تحديث البنية الحضرية وضمان حق الفئات الهشة في السكن اللائق والعيش الكريم؟
بين منطق “التأهيل” ومتطلبات “الإنصاف”، يبدو أن الملف اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن يشكل المشروع فرصة لتسوية شاملة تعيد الثقة وتراعي الالتزامات السابقة، أو يتحول إلى محطة جديدة في مسار توتر اجتماعي قد يخلّف آثاراً أعمق من مجرد إزالة مبانٍ قديمة.

