بقلم: حفيظ البنعيسي- يقين 24
يستمر المشهد القاتم بدوار صنهاجة التابع لجماعة سيدي يوسف بن أحمد بإقليم صفرو في رسم معالم كارثة إنسانية وبيئية متكاملة الأركان، حيث يتداخل خرق القانون مع غياب الرقابة الصحية في بؤرة سوداء تهدد سلامة الساكنة ومستهلكي اللحوم القادمين من المدن المجاورة. إن ما يحدث اليوم في محيط “كوشات الجير” التقليدية والذبيحة العشوائية، ليس مجرد خلل تنظيمي بسيط، بل هو طعنة في عمق الالتزامات الدولية للمملكة المغربية، وعلى رأسها توصيات مؤتمر الأطراف “كوب 22” بمراكش، التي جعلت من حماية البيئة وصحة الإنسان أولوية وطنية غير قابلة للتأجيل.

تتجلى خطورة الوضع في الاعتماد الممنهج على إحراق عجلات السيارات القديمة لتشغيل أفرنة الجير، وهو ما يولد انبعاثات كيميائية سامة من الديوكسينات والمعادن الثقيلة التي تستقر مباشرة على اللحوم المعلقة فوق أشجار الزيتون وأمام محلات الجزارة في العراء. هذا التلوث المزدوج يضرب في الصميم الحق في بيئة سليمة، ويتناقض كلياً مع روح إعلان مراكش المنبثق عن “كوب 22″، الذي شدد على ضرورة الانتقال نحو الطاقات النظيفة والحد من الغازات الدفيئة والملوثات العضوية الثابتة التي تهدد التوازن الإيكولوجي.

غير أن الفاتورة الأقسى لهذه المحارق يؤديها الأطفال والشيوخ من ساكنة المنطقة؛ فاستنشاق تلك السحب السوداء بشكل يومي يحول أجسادهم إلى مستودعات للأمراض المزمنة والفتّاكة. فالأطفال، برئاتهم الغضة التي لا تزال في طور النمو، يواجهون خطراً داهماً يتمثل في الربو الشعبي المزمن والحساسية الحادة التي تعيق نموهم الطبيعي، بينما يرزح كبار السن تحت وطأة الانسداد الرئوي المزمن (COPD) وارتفاع ضغط الدم الناتج عن اختراق الجسيمات الدقيقة لمجرى الدم، وصولاً إلى مخاطر الأمراض السرطانية التي يغذيها غاز الديوكسين المنبعث من المطاط المحترق. إنها مأساة صامتة تجعل من أبسط حق إنساني، وهو التنفس، صراعاً مريراً مع الموت.
وبينما تتصاعد الأدخنة لتغطي سماء المنطقة، يرزح العمال في هذه الورشات والمجازر العشوائية تحت وطأة استغلال بشع؛ إذ يشتغلون خارج أي إطار قانوني، محرومين من التغطية الصحية والاجتماعية، ومواجهين هذه الأوبئة المزمنة دون أدنى شروط الوقاية. إن هذا الوضع لا يمثل فقط خرقاً لمدونة الشغل المغربية، بل هو ضرب لمبادئ العدالة المناخية والاجتماعية التي نادى بها المغرب أمام العالم، مؤكداً أن الإنسان يجب أن يكون في قلب التنمية المستدامة لا وقوداً لاحتراق عشوائي لا يرحم.

إن تعليق اللحوم على أغصان الزيتون وسط غبار الجير ودخان المطاط المحترق، بعيداً عن المراقبة البيطرية والمجازر المهيكلة، يسائل الضمير المهني للجهات الوصية بإقليم صفرو. فكيف يستقيم الحديث عن الأمن الغذائي وحماية المستهلك في ظل استمرار هذه “المقصلة البيئية”؟ إن الضرورة اليوم تقتضي تدخلاً حازماً لفرض احترام قانون مكافحة تلوث الهواء (13-03) وقانون السلامة الصحية (28-07)، ووقف مهزلة إحراق الإطارات التي تحول هواء صنهاجة إلى سم زؤام، حمايةً للأرواح وتفعيلاً حقيقياً لالتزامات المغرب المناخية التي وقع عليها في قلب مراكش النابض بالخضرة والصفاء.

