يقين 24 -حفيظ البنايسي
أعادت القضية العقارية المثيرة التي شهدت فصولها المحكمة الابتدائية بصفرو، والمتعلقة بنزاع حول “فيلا” سكنية بين طليقين، تسليط الضوء على إشكالية قانونية واجتماعية غاية في التعقيد، تتقاطع فيها نصوص مدونة الأسرة مع موازين الشريعة الإسلامية وواقع التوثيق العقاري بالمغرب. وتعد هذه النازلة نموذجاً حياً للمخاطر التي تكتنف تسجيل الممتلكات بأسماء الأزواج بناءً على روابط الثقة، دون استحضار التبعات القانونية المحتملة عند انفصام عرى الزوجية.
تتجاوز هذه القضية حدود النزاع الفردي لتلامس جوهر المادة 49 من مدونة الأسرة المغربية، التي أقرت مبدأ استقلال الذمة المالية لكل من الزوجين، لكنها في الآن ذاته لم تغفل حق المساهم في استرداد مجهوده المادي والمعنوي. فالمشرع المغربي، ومن خلفه الاجتهاد القضائي، بات يميل بشكل لافت نحو إقرار العدالة المادية على حساب الشكليات الإدارية، خاصة عندما يثبت بالدليل القاطع أن الطرف الذي سجل العقار باسمه لم يكن هو الممول الفعلي، كما هو الحال في ملف “فيلا صفرو” الذي شكلت فيه شهادة المقاول المشرف على البناء حجر الزاوية في إظهار الحقيقة، كاشفة أن الزوج هو من تحمل عبء التمويل والمتابعة الميدانية للأشغال.
ومن المنظور الشرعي الذي تستمد منه المدونة روحها، فإن هذه الواقعة تجد سندها في فقه “الكد والسعاية”، وهو اجتهاد أصيل يتميز به الفقه المالكي المغربي. هذا المبدأ الشرعي يقوم على قاعدة الإنصاف، حيث يمنع استئثار أحد الزوجين بالأموال والممتلكات التي ساهم الطرف الآخر في تكوينها أو تنميتها. فالشريعة الإسلامية التي تحث على الأمانة ترفض في مقاصدها العليا أكل أموال الناس بالباطل، وتعتبر أن تسجيل العقار باسم الزوجة لا يمنحها حقاً مطلقاً إذا ثبت أن ذمتها المالية لم تكن هي مصدر التمويل، بل إن شهادة الشهود وأهل الخبرة، كالمقاولين والمهنيين، تعد في ميزان الشرع بينات قوية يعتد بها لرفع الظلم وإحقاق الحق.
إن قرار المحكمة الابتدائية بصفرو القاضي بقسمة العقار مناصفة، يحمل رسالة قضائية بليغة مفادها أن الصفة المهنية (كعمل الزوجة بقطاع التعليم) لا تنهض وحدها دليلاً على تملك العقار ما لم تعزز بمستندات التمويل الفعلي. كما أن هذا الحكم يكرس التوجه الرامي إلى حماية مؤسسة الأسرة من التعسف في استعمال الحقوق المسجلة لدى المحافظة العقارية. وبانتقال الملف إلى محكمة الاستئناف بفاس، يظل الترقب سيد الموقف لمعرفة مدى تثبيت هذا التوجه الذي ينتصر لروح العدالة والإنصاف، ويوفق بين حرفية النصوص القانونية ومقاصد الشريعة السمحة التي تجعل من الحقوق أمانات يجب أن تؤدى إلى أهلها.

