يقين 24
أثارت تقارير إدارية حديثة حالة من الاستنفار داخل المصالح المركزية لوزارة الداخلية، بعد رصد مؤشرات على اختلالات في تدبير الصفقات العمومية وسندات الطلب بعدد من الجماعات الترابية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى احترام قواعد الشفافية والمنافسة في إبرام هذه الصفقات.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن التقارير التي رفعتها أقسام الشؤون الداخلية بعدد من العمالات والأقاليم التابعة لجهات الدار البيضاء–سطات ومراكش–آسفي والرباط–سلا–القنيطرة، سجلت تكرار فوز شركات محددة بصفقات متتالية داخل الجماعات نفسها، رغم اختلاف طبيعة المشاريع والأشغال موضوع هذه الصفقات.
وأفادت المصادر ذاتها بأن هذه المعطيات أثارت شكوكا حول الشروط التقنية والإدارية المعتمدة في دفاتر التحملات المرتبطة بطلبات العروض، خاصة بعد ملاحظة تكرار ظهور الشركات ذاتها كفائز رئيسي في مشاريع متعددة، شملت أشغال تهيئة الطرق والمسالك القروية والتزفيت، إضافة إلى مشاريع الربط بالماء الصالح للشرب وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن الإنارة العمومية وأشغال البستنة والتهيئة الحضرية.
وفي هذا السياق، كشفت المعطيات الواردة في التقارير عن تسجيل ملاحظات حول بعض المقررات الجماعية المتعلقة بصفقات صودق عليها خلال دورات شهر فبراير الماضي، حيث تم رفض التأشير على بعضها بسبب شكوك حول مدى مطابقة المساطر المعتمدة للقواعد المنظمة للصفقات العمومية.
كما أشارت التقارير إلى احتمال وجود ممارسات تهدف إلى تضييق نطاق المنافسة بين المقاولات، من خلال إدراج شروط تقنية دقيقة داخل دفاتر التحملات قد تؤدي عملياً إلى إقصاء عدد من المتنافسين، وهو ما يسمح بتمرير الصفقات لفائدة شركات بعينها تظهر أحياناً كعارض وحيد ضمن الملفات المقبولة على البوابة الوطنية للصفقات العمومية.
وسجلت الوثائق ذاتها حالات أخرى تتعلق بتجاوز الاعتمادات المالية المخصصة لبعض الصفقات داخل ميزانيات جماعية، إضافة إلى إدراج بنود وصفت بالتمييزية داخل طلبات العروض، إلى جانب شبهات محاباة لمقربين أو حلفاء سياسيين وانتخابيين، الأمر الذي أثار احتجاج بعض المتنافسين الذين اعتبروا أن شروط المنافسة لم تكن متكافئة.
وفي المقابل، رصدت التقارير تناقضات في مبررات إلغاء بعض الصفقات وسندات الطلب من طرف رؤساء جماعات بصفتهم آمرين بالصرف، حيث تم ربط قرارات الإلغاء بنقص الاعتمادات المالية في الميزانية، رغم وجود مؤشرات على توفر تلك الاعتمادات في الوثائق المالية المرتبطة بالجماعات المعنية.
ويأتي هذا الجدل في وقت يجري فيه تدبير الصفقات العمومية للجماعات الترابية عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية بشكل رقمي، غير أن إعداد دفاتر الشروط وصياغة طلبات العروض ما يزال يتم داخل الإدارات الجماعية، وهو ما يفتح المجال – وفق متتبعين – أمام إدراج مواصفات تقنية قد تُفصل أحياناً على مقاس شركات محددة.
وتسعى السلطات المركزية، في هذا الإطار، إلى تعزيز آليات المراقبة وتتبع الصفقات العمومية داخل الجماعات الترابية، من خلال إجراءات تنظيمية جديدة تروم تعزيز الحكامة الجيدة وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات المتنافسة، بما يضمن حماية المال العام وترسيخ مبادئ الشفافية في تدبير الطلبيات العمومية.

