يقين 24/ حليمة صومعي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يعود إلى الواجهة مشهد مألوف يتكرر كل مرة: أوراش مفتوحة، طرقات في طور التهيئة، ومشاريع تخرج فجأة إلى حيز التنفيذ بعد سنوات من البرمجة والتأجيل. غير أن ما يثير الانتباه ليس فقط وتيرة الإنجاز، بل محاولات بعض المنتخبين نسب هذه المشاريع إلى مجهوداتهم الخاصة، في سياق يغلب عليه التوظيف السياسي أكثر من كونه تواصلاً مؤسساتياً صادقاً.
في الواقع، عدد كبير من هذه المشاريع ليس وليد اللحظة، بل يدخل ضمن برامج تنموية تمت برمجتها منذ سنوات من طرف الجهات الوصية، سواء على المستوى المركزي أو الترابي، ومرت عبر مساطر إدارية ومالية معقدة قبل أن تصل إلى مرحلة التنفيذ. لكن تزامن انطلاق أو تسريع هذه الأوراش مع قرب الانتخابات، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، ويمنح البعض فرصة “ركوب الموجة” وتقديم أنفسهم كصناع إنجازات لم يكن لهم فيها إلا حضور بروتوكولي.
وفي جهة بني ملال خنيفرة، يبرز هذا المشهد بشكل واضح، حيث تشهد عدد من الأقاليم حركية ملحوظة في تهيئة الطرقات، وتأهيل البنيات التحتية، وإطلاق مشاريع اجتماعية وتنموية طال انتظارها. غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، تثير تساؤلات مشروعة لدى الساكنة حول أسباب تأخرها طيلة السنوات الماضية، قبل أن ترى النور تزامناً مع العد التنازلي للانتخابات. كما يسجل متتبعون محاولات بعض الفاعلين المحليين تقديم هذه المشاريع كحصيلة شخصية، في تجاهل واضح لمسارها المؤسساتي ومصادر تمويلها الحقيقية.
المواطن، الذي أصبح أكثر وعياً بتفاصيل الشأن العام، لم يعد ينطلي عليه هذا النوع من التسويق السياسي. فصور الاجتماعات، وزيارات الأوراش، والتدوينات التي تروج لـ”حصيلة وهمية”، لم تعد كافية لإقناعه، خاصة في ظل تراكم انتظارات لم تتحقق خلال ولايات كاملة. بل إن هذا السلوك قد يساهم في تعميق فجوة الثقة بين الناخب والمنتخب، حين يتحول الفعل التنموي إلى أداة للدعاية بدل أن يكون التزاماً مستمراً.
إن الإشكال لا يكمن في إنجاز المشاريع في حد ذاته، بل في توقيت إبرازها وطريقة تقديمها للرأي العام. فالمسؤولية السياسية تقتضي الوضوح والصدق، والاعتراف بأن التنمية هي نتاج عمل مؤسساتي متكامل، تشارك فيه الدولة بمختلف مستوياتها، وليس حكراً على أشخاص أو هيئات بعينها.
وفي سياق جهة بني ملال خنيفرة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى اعتماد خطاب سياسي واقعي ومسؤول، يعترف بتراكمات الماضي، ويقدم تعاقداً واضحاً مع الساكنة مبنياً على برامج قابلة للتنفيذ، بدل الاكتفاء بتسويق إنجازات ظرفية. كما أن خصوصية الجهة، التي تعاني من تحديات اجتماعية واقتصادية متعددة، تفرض على المنتخبين تجاوز منطق الحملات الموسمية، والانخراط في عمل تنموي مستدام يستجيب لتطلعات المواطنين.
في هذا السياق، تبقى الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، تقوم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى تقييم الأداء بناءً على برامج واضحة وحصيلة قابلة للقياس، لا على صور عابرة أو وعود موسمية. كما أن دور الإعلام والمجتمع المدني يظل محورياً في كشف الحقائق، وتنوير الرأي العام، ومساءلة كل من يحاول استغلال المشاريع العمومية لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة.
في النهاية، تبقى الكلمة الفصل للمواطن، الذي يملك وحده سلطة التمييز بين من يخدم المصلحة العامة بصدق، ومن يوظفها ظرفياً لخدمة أجنداته الخاصة. ومع اقتراب موعد الاقتراع، قد يكون الوعي الجماعي، خصوصاً داخل جهة بني ملال خنيفرة، هو الضامن الحقيقي لفرز مشهد سياسي أكثر نزاهة وشفافية.

