يقين 24
في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في فلسفة التدبير الترابي بالمغرب، برزت جهة بني ملال-خنيفرة كواحدة من أبرز النماذج الصاعدة في مجال الحكامة الرقمية، خلال مشاركتها في فعاليات GITEX Africa 2026، ضمن محور “المدن الذكية” الذي نظمته المديرية العامة للجماعات الترابية.
وخلال هذا اللقاء الدولي، قدم المدير العام للمصالح بالجهة إدريس أشبال عرضاً كشف فيه عن ملامح استراتيجية طموحة، تؤكد أن المجالات ذات الطابع القروي والجَبَلي لم تعد خارج دائرة التحول الرقمي، بل أصبحت فاعلاً أساسياً في صياغة نموذج إداري حديث قائم على الابتكار والنجاعة.

وترتكز الرؤية الجهوية على ثلاث دعائم أساسية: الرقمنة، والتميز العملياتي، والتكامل المؤسساتي، في مقاربة تسعى إلى إعادة هندسة العمل الإداري بشكل شامل، وليس مجرد إدخال أدوات رقمية بشكل سطحي.
في هذا السياق، حققت الجهة قفزة نوعية على مستوى التحول الرقمي، من خلال إطلاق أكثر من 20 مشروعاً لنظم المعلومات، واعتماد نظام تدبير داخلي يغطي مختلف الوظائف، ما مكن من تتبع العمليات بشكل فوري وتعزيز الشفافية. وقد توج هذا المسار بتصدر الجهة وطنياً في مؤشر الشفافية الرقمية (SMIIG DATA) بنتيجة 57/100، لتكون الجهة الوحيدة التي تنشر معطياتها المالية بشكل كامل.
ولم يقف الطموح عند حدود الرقمنة، بل امتد إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تم تطوير نموذج للتوقع والتحليل المسبق للمشاريع بدقة بلغت 98,88%، في تجربة تعد من بين الأكثر تقدماً على الصعيد الوطني في هذا المجال.
وعلى مستوى الحكامة، انخرطت الجهة في مسار اعتماد المعايير الدولية، عبر العمل على نيل ثلاث شهادات ISO (الجودة، البيئة، السلامة المهنية) في أفق سنة 2026، في خطوة تعكس التزاماً مؤسساتياً بإرساء ثقافة التدبير المبني على النتائج. اللافت في هذا الورش أنه تم إنجازه بالاعتماد الكامل على الكفاءات الداخلية، في نموذج يعزز مفهوم الذكاء الجماعي داخل الإدارة.
كما شكل إحداث شركة التنمية الجهوية الرقمية أحد أبرز الأوراش الهيكلية، حيث تهدف هذه المؤسسة إلى توفير خدمات رقمية مشتركة لفائدة الجماعات الترابية، خاصة في مجالات الأمن السيبراني والبيانات والحوسبة السحابية، في تجربة مستلهمة من نماذج أوروبية ناجحة، ما يجعل الجهة ضمن طليعة التجارب الوطنية إلى جانب جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.

المؤشرات المسجلة تعكس بدورها حجم هذا التحول: تصدر وطني في الشفافية، دقة عالية في التوقعات الرقمية، تحليل مئات المخاطر، وأفق قريب لاعتماد المعايير الدولية، كلها عناصر تؤكد أن جهة بني ملال-خنيفرة لم تعد مجرد مجال ترابي تقليدي، بل أصبحت مختبراً حقيقياً لنموذج حكامة جديد.
رسالة الجهة من GITEX Africa كانت واضحة: المدن الذكية في المغرب لم تعد حكراً على الحواضر الكبرى، بل أصبحت واقعاً يمتد إلى عمق التراب الوطني، حيث تلتقي الرقمنة بالحكامة، ويُوظف الذكاء الاصطناعي لخدمة المواطن وتعزيز التنمية

