في سياق يؤكد فيه الخطاب الرسمي على تعزيز الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي، جاءت خطوة وزير الشباب والثقافة والاتصال، محمد المهدي بنسعيد، التي أمر فيها رئيس جهة بني ملال- خنيفرة، عادل براكات، بتخصيص 150 مليون سنتيم لدعم الصحافة الجهوية، لتعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى استقلالية الجهات في اتخاذ قراراتها.
خلال مناظرة طنجة الأخيرة، التي جمعت مختلف الفاعلين في الشأن الجهوي، رُفعت شعارات تؤكد على أن الجهوية المتقدمة ليست مجرد إطار قانوني، بل خيارًا سياسيًا وتنمويًا يهدف إلى منح الجهات صلاحيات فعلية في اتخاذ القرار، بعيدًا عن الإملاءات المركزية. غير أن هذه الشعارات تبدو بعيدة عن الواقع، عندما نجد أن وزارة الاتصال تتدخل بشكل مباشر في تدبير شؤون الصحافة الجهوية، فارضة شروطًا ومعايير موحدة قد لا تراعي خصوصيات كل جهة على حدة.
واللافت في مراسلة الوزارة أنها لم تأتِ كطلب أو اقتراح، بل كأمر إداري صارم، حيث ورد في نص الرسالة: “تقرر منح دعم مالي لفائدة الصحافة الجهوية”، وهو ما يُفهم منه أن القرار اتُّخذ في المركز، فيما يقتصر دور الجهة على التنفيذ. هذا يتناقض مع ما جاء في إعلان طنجة، الذي شدد على ضرورة جعل الجهات شريكًا حقيقيًا في صياغة السياسات العمومية، وليس مجرد منفذ لها.
والأكثر من ذلك، فإن الوزارة فرضت نموذجًا موحدًا لتنفيذ الدعم، من خلال اتفاقية شراكة “نموذجية” تتماشى مع مرسوم 2.23.1041 الصادر في الجريدة الرسمية لشهر يناير، وهو مرسوم وُضع وفق منطق “رأسمالي” عام لا يأخذ بعين الاعتبار واقع الصحافة الجهوية، التي تعاني من هشاشة اقتصادية وتنظيمية تجعلها غير قادرة على مجاراة المعايير المطبقة على الصحافة الوطنية.
المثير في هذا القرار هو أنه يطرح إشكالية أخرى تتعلق بدور المجالس الجهوية: هل هي شريك في التنمية أم مجرد وسيط مالي؟ فالوزارة، التي من المفترض أن تتولى مسؤولية دعم الصحافة الجهوية، نقلت هذا العبء إلى الجهة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الاحتفاظ بسلطة القرار، في تناقض واضح مع روح الجهوية المتقدمة.
إن إعلان طنجة أكد على أن تفعيل الجهوية المتقدمة يقتضي نقل اختصاصات حقيقية للجهات، وليس فقط الأعباء المالية، لكن في حالة دعم الصحافة الجهوية، نجد أن الوزارة اكتفت بنقل التمويل، بينما احتفظت بسلطة وضع الشروط وتحديد الأولويات.
ويبقى السؤال المطروح هنا: هل تم تحديد مبلغ 150 مليون سنتيم بناءً على دراسة ميدانية لواقع الصحافة الجهوية، أم أنه رقم تقني صيغ في مكاتب الرباط بعيدًا عن المعطيات المحلية؟ وهل هذه الآلية تعكس فعلًا روح التدبير الجهوي المستقل، أم أنها مجرد مركزية مُقنّعة في ثوب جديد؟
أمام هذا الواقع، يواجه مجلس جهة بني ملال- خنيفرة تحديًا حقيقيًا: هل سيقبل تمرير هذه الاتفاقية دون اعتراض، كما لو أن دوره يقتصر على التصديق على قرارات جاهزة؟ أم أنه سيطالب بحقه في المشاركة الفعلية في تحديد معايير وآليات دعم الصحافة الجهوية؟
مناظرة طنجة رفعت شعار “جهوية بصلاحيات فعلية”، لكن ما يحدث اليوم في بني ملال- خنيفرة قد يكون مؤشرًا على أن الجهوية المتقدمة لا تزال، في بعض القطاعات، حبيسة الخطاب أكثر من كونها واقعًا ملموسًا.