حمزة لخضر
وسط شوارع الدار البيضاء المكتظة وحمولات النفايات التي تتكدس يومياً، يقف عمال النظافة في الواجهة الأولى لمعركة الحفاظ على نظافة المدينة. هؤلاء العمال، الذين كانوا إلى وقت قريب يشتغلون تحت إشراف الدولة والجماعات المحلية، وجدوا أنفسهم اليوم في وضعية معقدة بين شِدَّة ظروف العمل داخل شركات التدبير المفوض، وبين ممارسات نقابية ومؤسساتية تثير الكثير من الجدل والأسئلة.
ورغم الدور الحيوي الذي يقوم به هؤلاء العمال، فإن معاناتهم اليومية لا تزال مستمرة، بين جداول عمل مرهقة ورواتب هزيلة لا تواكب غلاء المعيشة، ما يترك فئة واسعة منهم في حالة إحباط وعدم استقرار اجتماعي. ويزيد من حدة الوضع، وفق مصادر عمالية، الدور “غير الواضح” لبعض النقابات التي تقدم نفسها كحامية لحقوق العمال، في حين أن الزيادات التي يستفيد منها البعض تأتي غالباً ضمن قرارات حكومية مباشرة لا عبر تفاوض نقابي فعّال.
ويبدو أن مشكلات هذا القطاع لا تقتصر على ظروف العمل فقط، بل تمتد لتشمل اختلالات قانونية في تدبير الموارد البشرية داخل بعض المؤسسات، حيث يتم—خلافاً لمقتضيات قانون الشغل—الاعتماد على عقود محددة المدة يتم تجديدها كل ثلاثة أشهر عبر وسطاء، دون ترسيم أو احترام للضوابط القانونية. وهو ما يجعل العمال في وضعية هشّة من الناحية المهنية، ويفتح الباب أمام احتمال المناورة بالحقوق الاجتماعية والتأمينات.
وتنص المادة 16 من مدونة الشغل على أن العقود محددة المدة لا تُبرم إلا في حالات استثنائية، مثل تعويض أجير غائب أو نشاط موسمي أو زيادة مؤقتة في العمل. كما تؤكد المادة 17 أن مدة العقد يجب ألا تتجاوز 12 شهراً قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، وأن أي تجديد غير مبرّر أو متكرر يحوّل العقد تلقائياً إلى عقد غير محدد المدة. وبالنتيجة، فإن اللجوء المستمر إلى عقود قصيرة دون مبررات قانونية خرق صريح للقانون يهدد استقرار فئة من أهم العمال داخل المدينة.
ومع انتقال قطاع النظافة في أغلب المدن الكبرى إلى التدبير المفوض، تتزايد تخوفات المهنيين من خسارة مكتسبات كانوا يتمتعون بها في ظل التسيير الجماعي، خاصة في جانب الحماية الاجتماعية والتأطير الإداري. فالشركات الأجنبية غالباً ما ترتكز على منطق الربح والنجاعة، وهو ما يجعل العامل الطرف الأضعف داخل منظومة معقدة يجتمع فيها الضغط المهني، والتفاوض النقابي غير الواضح، وغياب مراقبة إدارية صارمة.
ويرى متابعون أن المرحلة تستدعي إعادة تقييم شاملة لقطاع النظافة، سواء عبر تعزيز دور الدولة والجماعات المحلية في الإشراف على العمال، أو من خلال إلزام الشركات باحترام مدونة الشغل وتحسين ظروف العمل، إلى جانب دعوة النقابات إلى تبني خطاب واضح ومسؤول بعيداً عن الحسابات السياسية.
فالدار البيضاء، مدينة ضخمة بتحديات بيئية متصاعدة، تحتاج إلى منظومة نظافة قائمة على احترام حقوق العمال قبل الحديث عن جودة الخدمات، إذ لا يمكن للمدينة أن تكون نظيفة بينما تظل الفئة التي تحمل عبء النظافة نفسها في وضعية هشّة. وعندما يجد عمال النظافة الاستقرار والاحترام، عندها فقط يمكن أن تتنفس المدينة هواءً أكثر صفاءً، وأن يُصان ألقها الحضري بما يليق بمكانتها.

