يقين 24
يبدأ يوم غد الإثنين 8 دجنبر 2025 العمل بالقانون الجديد للمسطرة الجنائية، الذي يُعتبر من أبرز الإصلاحات القانونية التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة. ويهدف هذا القانون إلى إعادة رسم مسار العدالة الجنائية، بدءًا من التبليغ والشكاية، وصولًا إلى التحقيق والمحاكمة وتنفيذ الأحكام، مع التركيز على ثلاثة محاور رئيسية: تعزيز حقوق الدفاع، تحديث العمل القضائي، وتقوية وسائل مكافحة الجريمة.
وضع القانون الجديد المتقاضين، وخصوصًا المشتبه فيهم، في قلب العملية القضائية، من خلال توسيع الحماية القانونية ووضع آليات رقابية دقيقة. وأصبح من الضروري إشعار المشتكين بالإجراءات المتخذة بشأن شكاياتهم خلال خمسة عشر يومًا، فيما يمكن للمتضررين من قرار الحفظ تقديم تظلّم أمام الوكيل العام للملك.
كما تم تعزيز دور المحامي، إذ أصبح بإمكانه حضور الاستنطاق أمام النيابة العامة، تقديم طلبات الفحص الطبي، الإدلاء بالوثائق، وطرح ملاحظات بعد انتهاء التحقيق الأولي.
وأشار القانون إلى الحراسة النظرية كإجراء استثنائي، مع تحديد ستة أسباب مقصورة لاعتمادها، من بينها حماية الأدلة والشهود ومنع فرار المشتبه فيه. وتم إنشاء سجل إلكتروني وطني لمتابعة الحراسة النظرية عن بعد، مع ضمان حق المشتبه فيه في الصمت، والاتصال بمحاميه منذ اللحظة الأولى للحجز، باستثناء بعض الجرائم الخطيرة.
أما الاعتقال الاحتياطي، فقد وضع القانون له ضمانات صارمة، إذ لم يعد ممكنًا إلا بقرار معلل ولأسباب محددة، مع تقليص مدته القصوى في الجنح إلى شهر واحد قابل للتمديد مرة واحدة فقط، مع إتاحة الطعن في قرار الإيداع أمام هيئة قضائية مختصة بشكل مستعجل.
سعى القانون إلى تخفيف الضغط على المحاكم وتسريع البت في الملفات عبر توسيع نطاق العدالة التصالحية لتشمل عددًا من الجنح، منها النصب، خيانة الأمانة، العنف الخفيف، وإصدار الشيكات بدون مؤونة، مع إمكانية إيقاف تنفيذ العقوبة بعد التوصل إلى تسوية بين الأطراف.
كما أتاح القانون الاعتماد على الرقمنة في المحاكم، من خلال المحاضر الإلكترونية، التوقيع الرقمي، وتسجيل الجلسات رقمياً، مع إمكانية الاستماع عن بعد للشهود والأطراف عند الضرورة، ما يسهل الإجراءات ويقلل العقبات اللوجستية.
وسع القانون صلاحيات النيابة العامة لمواجهة الجرائم المعقدة، بما فيها الجرائم المالية والمعلوماتية، عبر طلب تجميد الممتلكات وإجراء أبحاث مالية لتحديد مصادر الأموال المشبوهة. كما أتاح استعمال التقنيات الحديثة في البحث الجنائي، بما فيها الخبرة الجينية وتحليل البيانات الرقمية، مع تنظيم مساطر التحقق من الهوية وأخذ البصمات الجينية ضمن ضوابط محددة.
وتبرز آلية “الاختراق” كأحد المستجدات المهمة، حيث يمكن لضابط الشرطة القضائية التظاهر بالمشاركة في نشاط إجرامي لكشف شبكات الجريمة المنظمة، خصوصًا تلك المرتبطة بالاتجار بالمخدرات، الإرهاب، وغسل الأموال.
يُتوقع أن يسهم القانون الجديد في تعزيز فعالية العدالة الجنائية بالمغرب، حماية حقوق الأطراف كافة، وتسريع البت في القضايا، مع اعتماد معايير الشفافية والكفاءة في مكافحة الجريمة.

