يقين 24
في واحدة من أشد المواجهات الكلامية التي شهدتها المؤسسة التشريعية خلال مناقشة مشروع قانون الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان، تبادل النائبان البرلمانيان عبد الله غازي عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومحمد ملال عن الفريق الاشتراكي، رسائل سياسية حادة، بعدما وجه الأخير انتقادات لاذعة لتصريحات أدلى بها الوزير السابق والقيادي في حزب الأحرار محمد أوجار حول وضعية الأحزاب السياسية بالمغرب.
غازي لم يتردد في الرد، واعتبر أن ما قام به ملال يدخل في خانة “الاصطياد في الماء العكر”، وفي محاولة لإقحام موضوع لا علاقة له بالنقاش الجاري، مؤكداً أن البرلمان ليس فضاءً لنصب “محاكم تفتيش” للأفكار التي يعبّر عنها السياسيون في فضاءات أكاديمية أو حزبية.
وأوضح غازي أن الأحزاب السياسية تتوفر على قنوات تنظيمية ومؤسساتية للتعبير عن مواقفها، من بيانات وتصريحات وبلاغات، وأن الجرّ بمثل هذه النقاشات إلى قبة البرلمان لا يخدم المسار المؤسساتي، ولا يساعد على ضبط النقاش السياسي في مكانه الطبيعي. وأضاف قائلاً: “أخشى أن يكون هذا الإقحام محاولة لفرض الوصاية على الرأي داخل الحياة الحزبية والفضاء العام.”
النائب البرلماني انتقد أيضاً ما وصفه بـ”اختيار اللحظة غير المناسبة”، مشيراً إلى أن تدخل ملال سعى إلى إسقاط نقاش سياسي على موضوع تشريعي تقني، وهو ما يشوش – حسب قوله – على طبيعة النقاش البرلماني وهدفه.
ولم يقف غازي عند هذا الحد، بل ذكّر بأن قيادات حزبية أخرى سبق أن أطلقت مواقف أكثر جرأة، وصلت حد التشكيك في شرعية مؤسسات منتخبة، متسائلاً عن سبب “تخصيص” رأي أوجار بالهجوم واعتباره إساءة للعمل السياسي، وكأننا أمام “رقابة انتقائية” لا مبرر لها.
وكان ملال قد انتقد في مداخلته القيادي محمد أوجار، متهماً إياه بإطلاق تصريحات حول “الدولة العميقة” وتدخلها في تدبير الوزارات، معتبراً أن مثل هذه الخطابات “تسيء لصورة العمل السياسي وتضرب في مصداقيته”.
الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري، التي حضرت الجلسة، تفاعلت بدورها مع النقاش، مؤكدة أن المنتخبين يتمتعون باستقلالية في اتخاذ مواقفهم، وأنه لا أحد يتحكم في قراراتهم، رافضة أي خطاب يشكك في إرادة الفاعلين السياسيين أو يقلل من مكانتهم داخل المؤسسات.
النقاش الذي احتدم تحت قبة البرلمان كشف مرة أخرى عن هشاشة الخط الفاصل بين النقاش الأكاديمي والنقاش السياسي، وعن حساسية المواضيع المرتبطة بصورة الأحزاب ودورها في المشهد العام، في سياق سياسي يتطلب – حسب مراقبين – قدراً أكبر من الانضباط والمسؤولية في تدبير الخلافات.

