يقين 24 – بدر حدوات
في سابقة لافتة في علاقة السياسة بالإعلام، فجّر محمد أوزين نقاشًا ظل لسنوات في خانة المسكوت عنه، حين وجّه تحديًا مباشرًا لمدير جريدة “شوف تيفي”، داعيًا إياه إلى التصريح بممتلكاته. خطوة غير مألوفة في السياق المغربي، لكنها في عمقها أعادت طرح سؤال قديم جديد: من يراقب من؟
لطالما قدّم الإعلام نفسه باعتباره سلطة رقابية على السياسي، يلاحقه بالأسئلة، ويطالبه بالشفافية، ويرفع في وجهه شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة. غير أن تصريح أوزين جاء ليهز هذا التصور الأحادي، ويقلب المعادلة بسؤال بسيط في صياغته، ثقيل في دلالته:
هل كل من يُحاسِب، مستعد لأن يُحاسَب؟
الإعلام بين الرقابة وتضارب المصالح
في المغرب، كما في تجارب دولية متعددة، لم يعد الإعلام في كثير من حالاته مجرد سلطة رابعة مستقلة، بل تحوّل جزء منه إلى فاعل اقتصادي وسياسي، يمتلك شركات، ويستفيد من الإشهار، ونسج علاقات مع مراكز القرار. ومع هذا التحول، لم يعد الإعلام دائمًا ناقلًا محايدًا للخبر، بل صار أحيانًا طرفًا في الصراع، يهاجم هذا، ويصمت عن ذاك، ويضخم قضايا، ويتجاهل أخرى.
من هذا المنطلق، فإن مطالبة أوزين لمدير مؤسسة إعلامية بالتصريح بالممتلكات لا يمكن اختزالها في رد فعل انفعالي أو مواجهة شخصية، بل هي تشكيك صريح في حياد الإعلام، وتساؤل مشروع حول مصادر الثروة، وحدود الاستفادة من النفوذ الإعلامي، خاصة حين يتحول الخطاب الرقابي إلى أداة انتقائية.
شفافية انتقائية؟
ما قاله أوزين لا ينبغي أن يُقرأ فقط كخلاف مع “شوف تيفي”، بل كمرآة تعكس وضعًا مختلًا:
سياسيون يُطالبون بالتصريح والمحاسبة،
وإعلاميون يمارسون المحاسبة دون أن يُسألوا عن مواقعهم، ومصالحهم، وثرواتهم.
وإذا كان المغرب يطمح إلى ترسيخ ديمقراطية فعلية، فإن الشفافية لا يمكن أن تكون انتقائية أو موجهة نحو فئة دون أخرى، بل يجب أن تشمل كل من يمتلك سلطة التأثير، سواء كانت سياسية، أو إعلامية، أو اقتصادية.
من يخاف من الشفافية؟
السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا الجدل ليس:
لماذا تحدّى أوزين الإعلام؟
بل: لماذا يخشى بعض الفاعلين توسيع دائرة الشفافية؟
فالرقابة، لكي تكون ذات مصداقية، يجب أن تكون متبادلة، والسلطة، أيًا كان شكلها، حين تُمارس دون مساءلة، تتحول من أداة خدمة عمومية إلى نفوذ غير خاضع للمحاسبة.
قد يختلف البعض مع أسلوب أوزين أو توقيت خرجه، لكن لا يمكن إنكار أن ما أثاره فتح بابًا ضروريًا لنقاش أعمق حول أخلاقيات الممارسة الإعلامية، وحدود السلطة، ومن يملك الحق في مساءلة من، في مغرب يتغير، لكن ما زال يتعثر في بناء ثقة حقيقية بين السياسة، والإعلام، والمجتمع

