يقين 24
وضعت محكمة النقض حدًا لنقاش قانوني طال أمده بخصوص وضعية السكن الوظيفي، مؤكدة في قرار حاسم أن هذا النوع من السكن لا يُعد حقًا مكتسبًا ولا امتيازًا دائمًا، وإنما يرتبط ارتباطًا مباشرًا وحصريًا بممارسة مهام وظيفية محددة، تسقط تلقائيًا بزوال الصفة التي خُصص من أجلها.
وجاء في تعليل المحكمة أن السكن الوظيفي لا يخرج عن كونه وسيلة تُمكّن الموظف من أداء مهامه في ظروف ملائمة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتباره كراءً أو تملكًا مقنّعًا، مشددة على أن الاستمرار في شغله بعد التقاعد أو الإعفاء أو إنهاء المهام يُعد احتلالًا دون سند قانوني.
ومن الناحية العملية، اعتبرت محكمة النقض أن دعاوى إفراغ السكن الوظيفي لا تمس جوهر الحق كما يُروّج في بعض الدفوع، بل تندرج ضمن نطاق الاعتداء المادي الظاهر، ما يخول لقاضي المستعجلات صلاحية البت فيها دون الحاجة إلى الخوض في نزاعات موضوعية معقدة تتعلق بالملكية أو أصل العلاقة القانونية.
وفي رد صريح على بعض التأويلات الشائعة، أوضحت المحكمة أن الاقتطاعات المالية التي قد تكون أُنجزت خلال فترة الاستفادة من السكن لا يمكن اعتبارها مقابل كراء، ولا تشكل أساسًا قانونيًا للاستمرار في شغله، إذ تظل مرتبطة حصريًا بزمن الوظيفة وتنتهي بانتهائها دون أي أثر قانوني لاحق.
ويحمل هذا القرار دلالة قانونية واضحة مفادها أن السكن الوظيفي يخضع لمنطق القانون لا لمنطق الأمر الواقع، وأن أي تساهل في هذا المجال من شأنه تكريس أوضاع غير مشروعة تمس بمبدأ المساواة واحترام الملك العمومي.
وبهذا التوجه، تكون محكمة النقض قد أغلقت باب التأويل نهائيًا، ورسخت قاعدة مفادها أن “السكن الوظيفي وضعية مؤقتة لا تُنشئ حقًا دائمًا، ومن يفقد الصفة يفقد معها حق الإقامة”، في خطوة تعزز الأمن القانوني وتكرس سلطة القضاء في حماية المشروعية.

