يقين 24 ـ أحمد زعيم
لم تعد كوارث الفيضانات التي تضرب المدن المغربية مجرد حوادث طبيعية معزولة، بل أضحت نتيجة مباشرة لإختيارات عمرانية وتقنية اختلت فيها البوصلة بين التنمية السريعة ومتطلبات السلامة العامة. فبعد المآسي التي شهدتها عدد من المدن خلال السنوات الأخيرة، عاد إلى الواجهة ملف قنوات تصريف مياه الفيضانات، التي يفترض أن تشكل خط الدفاع الأول عن أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
في هذا السياق، أطلقت الشبكة المغربية لحقوق الإنسان والرقابة على الثروة وحماية المال العام نداء عاجلا بخصوص وضعية مدينة الفقيه بن صالح، التي تقع في منطقة منخفضة كانت محمية تاريخيا بشبكة من القنوات المعروفة محليا بإسم “الفراغة”، والتي كانت تمر من وسط المدينة وتشكل صمام أمان لتصريف السيول القادمة من المرتفعات.
غير أن هذه القناة الحيوية، حسب ما تؤكده الشبكة، جرى طمرها وطمسها بالكامل تحت البنايات والتجزئات السكنية والشوارع، دون تقديم أي توضيح رسمي للرأي العام حول الأسس القانونية أو التقنية التي بُني عليها هذا القرار، ودون توفير بدائل تؤمن نفس مستوى الحماية، ما يجعل المدينة وساكنتها اليوم في مواجهة خطر حقيقي كلما إرتفعت حدة التساقطات المطرية.
وتستحضر الشبكة في ملتمسها نموذج قناة تصريف الفيضانات بطريق الخمسين، التي خضعت لأشغال ترميم وفق معايير تقنية سليمة، معتبرة أن هذا المثال يثبت أن الحفاظ على هذه المنشآت كان ممكنا، لو تم إحترام الضوابط القانونية والهندسية، بدل إختيار الحل الأسهل والأخطر: الطمر والبناء فوق مجاريالمياه.

وأمام هذا الوضع المقلق، طالبت الشبكة بإيفاد لجنة مركزية مختصة للقيام بزيارة ميدانية عاجلة لموقع القناة المطمورة داخل المدار الحضري، وفتح تحقيق شامل حول مدى إحترام القوانين والمعايير التقنية في عملية الطمر، مع تحديد المسؤوليات الإدارية والمؤسساتية، وتقييم المخاطر المحدقة بالساكنة في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
كما دعت إلى إقتراح حلول إستعجالية وبنيوية لإعادة الإعتبار لوظيفة هذه القناة أو إيجاد بدائل فعالة تضمن سلامة المواطنين، مؤكدة أن إستمرار التجاهل في هذا الملف يشكل تهديدا مباشرا للحق في الحياة والسلامة الجسدية، ومسا خطيرا بمبادئ الحكامة الجيدة وحماية المال العام.

ويبقى السؤال الجوهري مطروحا اليوم: من يتحمل مسؤولية دفن “الفراغة”، ومن سيتحمل مسؤولية ما قد يترتب عنه من كوارث لا قدر الله؟

