يقين 24/ حليمة صومعي
لم يكن ما جرى داخل أحد فنادق الدار البيضاء مجرد تفصيل عابر في سياق تظاهرة كروية، بل لحظة كاشفة أعادت إلى الواجهة سؤالًا عميقًا حول صدقية الخطاب الأخلاقي الذي ترفعه بعض المؤسسات الرياضية عند الأزمات. فرفض المشجع الكونغولي المعروف ميشيل كوكا قبول اعتذار ممثلي الاتحادية الجزائرية لم يُقرأ بوصفه رد فعل شخصي، بل كرسالة واضحة مفادها أن القيم لا تُدار بمنطق التدارك المتأخر، ولا تُستحضر فقط حين تتعرض المصالح للخطر.
الاعتذار في جوهره فعل أخلاقي يفترض الاعتراف الصريح بالخطأ وتحمل مسؤوليته، غير أن التوقيت والسياق قد يحولانه إلى إجراء شكلي فاقد للروح. في هذه الواقعة، بدا أن تحرك مسؤولي الاتحادية الجزائرية جاء تحت ضغط تصاعد الانتقادات وتنامي الحديث عن عقوبات محتملة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، أكثر مما جاء نتيجة مراجعة صادقة للسلوك الذي فجّر الجدل. فتصرف اللاعب الجزائري عمورة، الذي وُصف على نطاق واسع بغير الرياضي، وضع المؤسسة الوصية في موقف محرج أمام الرأي العام القاري، وجعل من الاعتذار محاولة لاحتواء الأزمة لا تعبيرًا عن قناعة أخلاقية راسخة.
ميشيل كوكا اختار الصمت لغة للموقف، دون بيانات ولا خطابات. رفضه الهادئ كان كافيًا ليختصر المعنى كله، ويؤكد أن الكرامة لا تُدار بمنطق العلاقات العامة، ولا تُقايض بمبادرات ظرفية. لقد فهم كوكا أن الخطوة لم تكن موجهة لاحترامه أو احترام الجماهير الإفريقية، بل لتفادي تداعيات قانونية وإعلامية باتت تلوح في الأفق، فكان الرد حاسمًا دون حسابات جانبية.
هذا الموقف لم يكن معزولًا عن سياق سابق، إذ سبق لكوكا أن رفض عرضًا باستضافته من طرف الاتحادية الجزائرية في الرباط، في إشارة واضحة إلى نهج ثابت يرفض المجاملة حين يتعلق الأمر بالمبادئ. لم يكن الرفض انفعالًا لحظيًا، بل تأكيدًا على أن الأخلاق لا تُختزل في هدايا أو دعوات بروتوكولية، ولا تُستدعى عند أول اختبار حقيقي للقيم الرياضية.
ما حدث في الدار البيضاء يتجاوز حادثة فردية أو اسمًا بعينه، ليكشف إشكالية أعمق في كيفية فهم “الروح الرياضية” داخل بعض المؤسسات. فالأخلاق ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا أداة لامتصاص الغضب، بل ممارسة يومية تنعكس في السلوك والقرارات قبل الأزمات لا بعدها. وفي النهاية، لم يحتج ميشيل كوكا إلى فضح أحد بالكلام، لأن موقفه وحده كان كافيًا ليعيد النقاش إلى مساره الصحيح، ويؤكد أن الاعتذار حين يأتي متأخرًا، يفقد معناه وقيمته.

