يقين 24
أقرّ نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بوجود اختلالات عميقة تعتري تدبير الصفقات العمومية بالمغرب، معترفًا بأن تصاعد المنازعات القضائية أصبح أحد أبرز العوامل التي تعرقل إنجاز المشاريع الاستراتيجية وتؤثر سلبًا على وتيرة الاستثمار العمومي.
وخلال كلمته، اليوم الاثنين بالرباط، في افتتاح ندوة خصصت لموضوع منازعات الصفقات العمومية، رسم المسؤول الحكومي صورة قاتمة لواقع إداري يطغى عليه بطء المساطر، وضعف التنسيق، وغياب النجاعة في تدبير العقود، ما يؤدي إلى شلل مشاريع حيوية لسنوات طويلة.
ولم يتردد الوزير في توجيه انتقادات مباشرة لمنظومة الصفقات العمومية، معتبرًا أن هذه الأخيرة لم تعد مجرد آلية لتنفيذ الميزانيات، بل تحولت في كثير من الحالات إلى مصدر للأزمات. وأوضح أن غياب الشفافية يولد الشك، وبطء المساطر يراكم الإحباط، فيما يؤدي غياب العدالة التعاقدية إلى قطيعة متزايدة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.
واعترف بركة بأن جذور أغلب النزاعات القضائية تعود إلى المراحل الأولى من إعداد الصفقات، خصوصًا ما يتعلق بعدم دقة دفاتر التحملات، وغياب الموضوعية في معايير الإسناد، وهي اختلالات تجعل النزاع قائمًا منذ لحظة توقيع العقد، وتفتح الباب أمام مساطر قضائية طويلة ومعقدة.
ورغم الإعلان عن تعبئة استثمارات عمومية تفوق 70 مليار درهم برسم سنة 2025، بزيادة تناهز 60 في المائة مقارنة بسنة 2022، شدد الوزير على أن الأرقام وحدها لا تكفي، ما لم يتم تحسين قدرة الإدارة على استباق النزاعات بدل الاكتفاء بتدبير آثارها بعد وقوعها.
واعتبر بركة أن اللجوء المكثف إلى القضاء يعكس فشلًا في التنسيق وضعفًا في الحكامة، محذرًا من أن نزاعًا قضائيًا يمتد لسنوات يعني مشروعًا معطلًا، ومرفقًا عموميًا مؤجلًا، ومجالًا ترابيًا يعيش حالة انتظار، وهو ما يشكل هدرًا حقيقيًا للزمن التنموي.
وفي خطوة تعكس حجم الإشكال، كشف الوزير عن إعداد دليل خاص بالاجتهاد القضائي، يضم الأحكام الصادرة ضد الوزارة، بهدف تحليل أسباب الخسائر القضائية وتفادي تكرارها مستقبلاً، وهو ما يشكل اعترافًا ضمنيًا بوجود خلل في إعداد القرارات الإدارية والتعاقدية، خاصة في ملفات الصفقات والاعتداء المادي على الملك العمومي.
كما دعا بركة إلى مراجعة أثمان الصفقات وتحيين المؤشرات المرجعية المعتمدة، في ظل تقلبات الأسعار واضطراب سلاسل التوريد، محذرًا من أن استمرار العمل بإطارات متجاوزة يهدد توازن المقاولات، خصوصًا الصغرى والمتوسطة، ويدفعها إلى الإفلاس أو التوقف عن التنفيذ.
وختم الوزير مداخلته بالتأكيد على أن غياب التنسيق يشكل المدخل الأساسي للنزاعات، منتقدًا أسلوب تدبير العقود الذي ينتهي عند التوقيع دون مواكبة تقنية حقيقية، معتبرًا أن إثقال كاهل القضاء بنزاعات كان بالإمكان تفاديها، يقوض طموح المغرب في تسريع أوراش التنمية، خاصة في ظل استحقاقات دولية كبرى تتطلب سرعة ونجاعة لا تحتمل بطء “زمن المحاكم”.

