أكد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، أن حسن تدبير الصفقات العمومية يظل أحد المداخل الأساسية للوقاية من المنازعات، مشدداً على الدور المحوري الذي يضطلع به القضاء الإداري في حماية الشرعية التعاقدية وضمان الأمنين القانوني والقضائي، مع الحفاظ على التوازن بين متطلبات المرفق العام وحقوق المقاولات.
وجاء ذلك خلال الجلسة الافتتاحية للندوة العلمية المنظمة بالرباط حول موضوع “التدبير الأمثل للصفقات، مدخل للوقاية من المنازعات”، حيث أبرز عبد النباوي أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يشهد دينامية تنموية متواصلة جعلت من الاستثمار العمومي رافعة أساسية لإنجاز الأوراش الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، ودعم النسيج الاقتصادي الوطني.
وأوضح المتحدث أن الصفقات العمومية لم تعد مجرد آلية لتلبية حاجيات المرافق العمومية أو تنفيذ السياسات القطاعية، بل أصبحت مؤشراً حقيقياً لقياس مستوى الحكامة والشفافية والمنافسة، وأداة مركزية في محاربة الفساد والاحتكار والريع، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية وروح دستور 2011.
وفي هذا السياق، استحضر عبد النباوي الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2011، الذي شدد على أهمية التعاقد الاقتصادي الجديد ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وكذا الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في المنتدى الوطني للوظيفة العمومية العليا سنة 2018، والتي أكدت على ضرورة نجاعة الإدارة العمومية وحسن تدبير الموارد العمومية.
وسجل الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن نظام الصفقات العمومية عرف إصلاحات متتالية، توجت بإصدار المرسوم رقم 2.22.431 بتاريخ 8 مارس 2023، والذي شكّل محطة مفصلية في مسار الإصلاحات التي انطلقت منذ المناظرة الوطنية للصفقات العمومية سنة 2009، بهدف مواكبة الحجم المتزايد للاستثمار العمومي، الذي بات يمثل حوالي ثلاثة أرباع مجموع الاستثمارات بالمملكة.
وأوضح أن هذا التطور انعكس بشكل مباشر على ارتفاع عدد القضايا المعروضة على القضاء الإداري، حيث انتقلت المنازعات المرتبطة بالعقود الإدارية والصفقات العمومية من 1969 ملفاً سنة 2023، إلى 2218 ملفاً سنة 2024، ثم إلى 2577 ملفاً سنة 2025، فيما أصدرت المحاكم الإدارية بدرجتيها ما مجموعه 6928 مقرراً قضائياً خلال هذه الفترة، 46 في المائة منها صدرت عن محاكم الرباط.
وأكد عبد النباوي أن القضاء الإداري يواكب النقاش العمومي حول إصلاح منظومة الصفقات العمومية، ويحرص على حماية المال العام وضمان قوة العقود الإدارية، مع تكريس مبادئ الشفافية والتنافسية والحكامة الجيدة، مشدداً على أن الرقابة القضائية لا تهدف إلى تعطيل عمل الإدارة، بل إلى تنظيمه وضبطه في إطار احترام المشروعية والتوازن العقدي.
وأشار إلى أن الاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة النقض والمحاكم الإدارية أسهمت في ترسيخ قواعد متقدمة في هذا المجال، سواء تعلق الأمر بشروط تنفيذ الصفقات، أو استحقاق المستحقات المالية، أو الجزاءات، أو مراقبة مشروعية قرارات الفسخ، مع مراعاة مبدأ التناسب حمايةً للمال العام وحقوق المقاولة الجادة.
كما أكد انفتاح السلطة القضائية على مختلف الفاعلين المؤسساتيين للمساهمة في إصلاح نظام الصفقات العمومية، مبرزاً أن هذه الدينامية تندرج في إطار اتفاقية الشراكة الموقعة بين محكمة النقض ووزارة التجهيز والماء، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون وتبادل الخبرات وتنظيم أنشطة علمية وتكوينية مشتركة.
وختم عبد النباوي بالتأكيد على أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على معالجة النزاعات بعد وقوعها، بل أصبح يرتكز على بناء منظومة وقائية متكاملة، تقوم على تحسين جودة إعداد وتنفيذ وتتبع الصفقات العمومية، وتنمية قدرات المتدخلين، ومواكبة التوجهات القضائية، بما يعزز الثقة في مناخ الأعمال ويخدم التنمية المستدامة.

