يقين 24
أعادت عمليات الهدم والإفراغ التي تشهدها عدد من أحياء المدينة القديمة بالدار البيضاء إلى الواجهة مخاوف متزايدة من المساس بالذاكرة المعمارية والاجتماعية لأحد أعرق الفضاءات الحضرية بالعاصمة الاقتصادية، في ظل شكاوى من تشريد أسر كاملة وغياب مقاربة تراعي البعدين الإنساني والتراثي.
وبحسب معطيات متداولة، فقد شملت هذه العمليات أحياء داخل الأسوار وخارجها، من بينها درب الأنجليز، كشبار، والبحيرة، ما أثار تساؤلات حول حدود التوازن بين إعادة التهيئة الحضرية وحماية حقوق الساكنة الأصلية وصون الخصوصية التاريخية للمدينة القديمة.
مصادر حقوقية اعتبرت أن وتيرة التدخلات وسرعة قرارات الإفراغ تعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل النسيج الاجتماعي والتجاري للمنطقة، عبر الضغط على السكان لإخلاء منازلهم بدعوى كونها آيلة للسقوط، في وقت يؤكد فيه متابعون أن عدداً من هذه البنايات لا يزال يحتفظ بقيمة معمارية وتاريخية معتبرة.
ووفق المصادر ذاتها، فقد أسفرت هذه العمليات عن تشريد عائلات تضم نساءً وأطفالاً وشيوخاً، وتركهم في وضعية هشاشة اجتماعية، دون توفير بدائل سكنية واضحة أو تعويضات تتناسب مع واقعهم الاجتماعي والاقتصادي.
وتتضاعف حدة المخاوف بالنظر إلى توقيت عمليات الهدم، التي تتزامن مع فصل الشتاء واستمرار الموسم الدراسي، ما يفاقم معاناة الأسر المتضررة، خاصة الأطفال المهددين بالانقطاع عن الدراسة بسبب الإخلاء المفاجئ أو الانتقال القسري إلى مناطق بعيدة. كما تشير معطيات متداولة إلى استعمال وسائل ضغط غير مباشرة، من بينها التلويح بقطع خدمات أساسية كالماء والكهرباء، لدفع الساكنة إلى المغادرة في آجال قصيرة.
وفي هذا السياق، عبّرت الهيئة الديمقراطية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقها مما وصفته بعمليات هدم وإفراغ غير قانونية وغير إنسانية، معتبرة أن ما يجري يتنافى مع روح برامج إعادة تهيئة المدينة العتيقة، التي يُفترض أن تقوم على الحفاظ على التراث المعماري والهوية الثقافية، لا منطق الإفراغ الشامل.
وأكدت الهيئة أن منح مهَل قصيرة للإخلاء يشكل خرقاً للمقتضيات القانونية، محذّرة من غياب الشفافية ووضوح المعايير المعتمدة في تصنيف البنايات. واعتبرت أن تعميم وصف “الآيلة للسقوط” على بنايات المدينة القديمة تبسيط مخل بالواقع، خاصة وأن المنطقة تضم مساجد ورياضات تقليدية ومؤسسات تعليمية ومنازل ذات رمزية تاريخية.
وحملت الهيئة السلطات المحلية مسؤولية الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي آلت إليها الأسر المتضررة، داعية إلى الوقف الفوري لعمليات الهدم والترحيل القسري إلى حين التحقق من قانونيتها، ومراعاة الظروف الاجتماعية والمناخية.
كما طالبت بضمان تعويضات عادلة ومنصفة للملاك وفق أسعار السوق، وتوفير حلول تحفظ الكرامة الإنسانية للمكترين والحرفيين، واعتماد مقاربة تشاركية تُشرك الساكنة في اتخاذ القرار.
وختمت الهيئة بالتأكيد على أن الحق في السكن اللائق وحماية التراث المعماري ركيزتان أساسيتان لا يمكن التفريط فيهما، معتبرة أن المدينة القديمة ليست مجرد مجال عمراني، بل ذاكرة جماعية وسجل اجتماعي وثقافي يستوجب الحماية لا المحو

