يقين 24 / حليمة صومعي
يعيش حزب الأصالة والمعاصرة مرحلة دقيقة من تاريخه السياسي، تتسم بارتباك داخلي واضح، وتراجع في القدرة على بلورة خطاب مقنع ينسجم مع انتظارات الرأي العام. فبعد سنوات من الحضور القوي في المشهد الحزبي، بات الحزب اليوم أمام أسئلة صعبة تتعلق بوظيفته السياسية، ونموذجه التنظيمي، ومدى قدرته على تجديد ذاته في سياق سياسي وقانوني متغير.
المتابع لمسار الحزب في الآونة الأخيرة يلاحظ أن النقاش الداخلي لم يعد منصبًّا على البرامج أو الرؤى أو السياسات العمومية، بقدر ما أصبح محصورًا في صراعات حول التزكيات، وتوازنات النفوذ، وتدبير الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. هذا التحول أضعف صورة الحزب كتنظيم مؤطر، وحوّله في نظر كثيرين إلى فضاء تتغلب فيه الحسابات الفردية على العمل الجماعي.
القوانين الانتخابية الجديدة، التي شددت شروط الترشح وربطت المسؤولية بالمحاسبة، وضعت الحزب أمام اختبار حقيقي. فقد أفرزت هذه القوانين واقعًا غير مريح لعدد من الوجوه التي اعتادت الحضور الدائم في المؤسسات المنتخبة، وهو ما خلق حالة من الارتباك داخل بعض الفروع، وأعاد النقاش حول طبيعة النخب التي راكمها الحزب خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، برزت ممارسات أثارت الكثير من الجدل، من بينها محاولات الالتفاف على روح القوانين عبر الدفع بأسماء جديدة من الدائرة العائلية نفسها، في مشهد أعاد إلى الواجهة إشكالية الخلط بين العمل السياسي والمصالح الخاصة. مثل هذه السلوكيات، إن صحت، لا تسيء فقط إلى صورة الحزب، بل تضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص وتجديد النخب، الذي يفترض أن يشكل أساس العمل الحزبي الديمقراطي.
على المستوى التنظيمي، لم تنجح القيادة الحالية في تبديد حالة الغموض أو إعادة بناء الثقة، سواء داخل الحزب أو خارجه. فغياب مبادرات قوية لإعادة هيكلة التنظيم، وضعف التواصل السياسي، وعدم وضوح المواقف في قضايا اجتماعية واقتصادية ملحة، كلها عوامل ساهمت في تراجع حضور الحزب وتأثيره.
كما أن مشاركة الأصالة والمعاصرة في التدبير الحكومي جعلته في مواجهة مباشرة مع تقييم الأداء العام للحكومة، في ظل سياق اجتماعي صعب وارتفاع منسوب الانتظارات. وهو ما انعكس سلبًا على شعبيته، خاصة في أوساط فئات كانت تعوّل على الحزب لتقديم بدائل واقعية وخطاب مختلف.
اليوم، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة مطالبًا، أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة عميقة لمساره: مراجعة تبدأ من طريقة اختيار النخب، مرورًا بإعادة الاعتبار للعمل التنظيمي، وصولًا إلى صياغة مشروع سياسي واضح يتجاوز منطق التدبير الانتخابي الضيق. فبدون ذلك، سيظل الحزب يدور في حلقة من التراجع، ويجد نفسه بعيدًا عن نبض المجتمع الذي يفترض أن يمثله.
إن استعادة الثقة لا تمر عبر الشعارات، بل عبر قرارات جريئة تعيد الاعتبار للأخلاق السياسية، وتضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. ودون هذا التحول، سيبقى سؤال الدور والجدوى مطروحًا بقوة في مستقبل حزب كان يومًا رقما صعبًا في المعادلة السياسية.

