يقين 24
عاد مشروع “المحج الملكي” بالدار البيضاء إلى صدارة النقاش العمومي، في ظل موجة من الاحتجاجات والانتقادات التي رافقت عمليات الإفراغ والهدم الجارية بعدد من الأحياء المجاورة للمدينة العتيقة، ما أثار تفاعلاً واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية والنقابية والمدنية.
ومنذ شهر دجنبر الماضي، شهدت أحياء من بينها درب “الأنجليز” و”كشبار” و”البحيرة”، إلى جانب مناطق أخرى قريبة من أسوار المدينة القديمة، عمليات إفراغ طالت عدداً من الأسر، إضافة إلى تجار وحرفيين، وذلك في إطار تنزيل مشروع يعود تاريخ إطلاقه إلى ثمانينيات القرن الماضي، وظل متعثراً لأزيد من أربعة عقود.
وتزامن تسريع وتيرة هذه العمليات مع مصادقة المجلس الجماعي للدار البيضاء، خلال شهر شتنبر الماضي، على اتفاقية إطار تروم تسريع إنجاز المشروع، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات مرتبطة بكلفة تعثره طيلة سنوات، وبآليات التدبير والمسؤوليات المؤسساتية المرتبطة به.
وفي هذا السياق، عبّرت هيئات سياسية وحقوقية ونقابية ومدنية، من خلال بيان مشترك صدر منتصف يناير الجاري، عن تخوفها من طريقة تنفيذ عمليات الإفراغ، معتبرة أن بعض الإجراءات جرت في آجال قصيرة، ودون توضيح كافٍ للأساس القانوني أو القرارات الإدارية المعتمدة، وهو ما ينعكس، بحسبها، على الأوضاع الاجتماعية للأسر المعنية، خاصة في ظل تزامن العمليات مع فصل الشتاء والسنة الدراسية.
كما ربطت هذه الهيئات تعثر المشروع، الذي أُسند تدبيره في مراحل سابقة لشركة “صوناداك”، بسلسلة من الاختلالات التدبيرية التي سبق أن تناولتها تقارير رسمية، من بينها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، مشيرة إلى أن ضخ اعتمادات مالية مهمة لم يواكبه تقدم ملموس في ملف إعادة الإسكان.
وأثارت الهيئات ذاتها غياب معطيات رسمية دقيقة حول صيغ التعويض أو إعادة الإيواء، معتبرة أن ذلك يطرح إشكالات مرتبطة بالشفافية وبمشاركة المعنيين في اتخاذ القرار، خاصة في ما يتعلق بمساطر نزع الملكية لأجل المنفعة العامة.
ويمتد الجدل، وفق المعطيات المتداولة، إلى داخل المدينة العتيقة، حيث يُسجَّل تخوف من تأثير عمليات الإفراغ المحتملة على الطابع الاجتماعي والديمغرافي لبعض الأحياء، في ظل حديث عن ضغوط لإخلاء مساكن بدعوى هشاشتها، مقابل تسجيل تأخر في منح رخص الإصلاح والترميم.
وقد انتقل هذا الملف إلى المؤسسة التشريعية، بعدما وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني سؤالاً كتابياً إلى وزير الداخلية، دعت فيه إلى توضيح الأساس القانوني لعمليات الإفراغ، ومعايير التعويض وإعادة الإسكان، وكذا الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات، خاصة على تمدرس الأطفال والأنشطة الاقتصادية المحلية.
وإلى حدود الساعة، لم يصدر أي توضيح رسمي من الجهات الحكومية المعنية بخصوص هذه النقاط، في وقت تتواصل فيه دعوات عدد من الفاعلين إلى فتح نقاش عمومي موسع حول المشروع، يوازن بين متطلبات التهيئة الحضرية واحترام الحقوق الاجتماعية للساكنة المعنية.
ويعيد هذا الملف طرح إشكالية تدبير المشاريع الحضرية الكبرى بالدار البيضاء، في ظل تحدي تحقيق التنمية العمرانية مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وصون حقوق ساكنة أحياء شكّلت جزءاً من النسيج التاريخي للمدينة.

