يقين 24 ـ حبيب سعداوي
يشهد إقليم الفقيه بن صالح ، بمختلف جماعاته الحضرية والقروية ، تناميا متسارعا في مظاهر التوسع العمراني ، رافقه في السنوات الأخيرة نقاش متزايد حول عدد من الإشكالات المرتبطة بالبنية التحتية ، وتدبير المجال ، واحترام حرمة الملك العمومي ، بما في ذلك قنوات تصريف مياه الفيضانات ، والأراضي السلالية ، والمقابر.
ومن بين أبرز القضايا التي عادت إلى الواجهة ، موضوع قنوات تصريف مياه الأمطار والفيضانات ، وعلى رأسها القنوات المعروفة محليا باسم “الفراغات” ، إضافة إلى قنوات ومجاري مائية أخرى عبر تراب الإقليم ، أنجزت في الأصل وفق تصاميم هندسية دقيقة ، بهدف حماية الساكنة من أخطار السيول القادمة من المناطق المرتفعة خلال فترات التساقطات المطرية.
فهذه المنشآت لا تندرج ضمن التجهيزات الثانوية ، بل تشكل عنصرا أساسيا في منظومة الوقاية من المخاطر الطبيعية ، ما يجعل أي تغيير في مساراتها ، أو ردمها ، أو التضييق عليها دون بدائل تقنية مدروسة ، مصدر قلق حقيقي ، خاصة في ظل التحولات المناخية التي باتت تعرفها البلاد ، وما يصاحبها من تساقطات فجائية وغزيرة.
وتشير وثائق رسمية ومحاضر اجتماعات سابقة ، من بينها وثيقة تعود إلى سنة 1992، إلى أن السلطات المختصة كانت قد شددت ، في مراحل سابقة ، على ضرورة احترام حرمة مجاري الأودية وقنوات التصريف ، ومنع البناء داخل نطاقات الحماية المحددة قانونا ، مع إلزام مختلف المتدخلين باحترام التصاميم المصادق عليها . غير أن الواقع الميداني في عدد من المناطق ، يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بهذه التوجيهات ، في ظل ما يتداول عن ردم أو تغيير معالم بعض القنوات ، والتوسع العمراني داخل مجالات يفترض أنها مخصصة للحماية من الفيضانات.
ولا يقف هذا الجدل عند حدود البنية التحتية ، بل يمتد إلى ملف المقابر ، الذي أضحى بدوره موضوع حديث متداول في منابر إعلامية ووسط الرأي العام المحلي. فقد جرى التداول خلال فترات متفرقة ، حول تعرض بعض المقابر داخل الإقليم لتعديات أو استغلالات غير واضحة المعالم ، في ظل ضغط عقاري متزايد ، وتوسع عمراني يطال أحيانا أراضي ذات حساسية دينية واجتماعية خاصة.
كما تم تداول أخبار عن تعرض بعض المقابر لحرائق وحفر بحثا عن الكنوز في ظروف وصفت بالغامضة ” غشت 2018″، دون صدور توضيحات رسمية كافية بشأن أسبابها أو ملابساتها ، الأمر الذي عمق حالة القلق والاستياء لدى الساكنة ، نظرا لما تمثله المقابر من رمزية دينية وإنسانية ، وما تفرضه من واجب الاحترام والصون ، باعتبارها فضاءات لكرامة الإنسان بعد وفاته ، لا مجال للتهاون في حمايتها أو التعامل معها بمنطق الاستغلال.
وإذا كانت هذه المعطيات تندرج في جزء منها ضمن أخبار متداولة لم يحسم فيها قضائيا أو إداريا بشكل نهائي ، فإن خطورتها تكمن في كونها تعكس هشاشة منظومة المراقبة وحماية الملك العمومي ، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية ، أو الأراضي السلالية ، أو المقابر ، وهو ما يضع الجماعات الترابية والسلطات المعنية أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية جسيمة.
وفي هذا السياق ، يظل دور المنتخبين المحليين محوريا ، باعتبارهم ممثلي الساكنة ، إذ إن غياب مواقف واضحة ، أو الاكتفاء بالصمت إزاء هذه الملفات ، يفتح الباب أمام التأويلات ، ويغذي الإحساس بوجود تهاون أو تستر على تجاوزات محتملة ، خاصة في ظل تشابك المصالح المرتبطة بالعقار والتعمير ، وضعف آليات المراقبة ، وغياب تواصل فعال يبدد مخاوف المواطنين.
كما أن المخاطر البيئية الناجمة عن المساس بقنوات تصريف المياه ، أو تغيير مساراتها دون حلول بديلة ، لا تقل خطورة عن المساس بحرمة المقابر ، إذ قد تؤدي في حالات التساقطات القوية ، إلى توجيه السيول نحو أحياء سكنية أو أراض فلاحية مهددة سلامة الأرواح والممتلكات ، وهو ما يستدعي مقاربة استباقية بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة.
إن مجموع هذه المعطيات يفرض ، اليوم أكثر من أي وقت مضى ، فتح تحقيقات ميدانية شفافة تشمل مختلف مناطق الإقليم ، لتحديد المسؤوليات ، والتحقق من صحة ما يتداول بخصوص التعديات على قنوات التصريف والمقابر ، بما فيها حوادث الحرائق المبلغ عنها ، مع ترتيب الآثار القانونية اللازمة ، حماية للملك العمومي، وصونا لحرمة الموتى ، وضمانا لسلامة المواطنين.
وفي المحصلة ، تبقى حماية البنية التحتية واحترام حرمة المقابر مسؤولية جماعية لا تقبل التأجيل ، لأنها تمس صميم القيم المجتمعية وحقوق الأجيال الحاضرة والقادمة . فصيانة قنوات الفيضانات وحفظ حرمة القبور ليسا فقط التزاما قانونيا ، بل واجبا أخلاقيا وإنسانيا، واختبارا حقيقيا لمدى جدية المؤسسات في حماية المجال ، وصون كرامة الإنسان ، وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة.… يتبع

