يقين 24 – هدى الخباني
لطالما كان السؤال عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار اللغة العربية سؤالاً يسكنني، ليس فقط كمتأملة في شؤون الإعلام، بل كإنسانة ترى في اللغة وطناً وكياناً.
للإجابة عن هذا التساؤل الذي يجمع بين الأهمية والحيرة، لا بد لنا من الوقوف قليلاً عند ماهية هذه الوسائل؛ فهي في جوهرها ليست مجرد تطبيقات تقنية، بل نبض إعلامي متدفق وأداة حية لصياغة الخطاب الإنساني وتبادله.
إن أي حوار نسعى لخلقه، وأي رسالة نود غرسها في وجدان الآخر، تتطلب بالضرورة لغة مشتركة؛ لغة لا تكتفي بنقل الكلمات، بل تعمل كدرع يحمي المعنى ويقننه.
وهنا تبرز وسائل التواصل الاجتماعي كفضاءات رحبة للرأي والرأي الآخر، ومساحات للأخذ والرد، حيث تتحول الحروف إلى جسور تعبر بنا نحو الآخر في مناخ من الحرية التي لا تستقيم في نظري إلا إذا اقترنت بالمسؤولية.
فالحرية، كما أؤمن بها ليست عبثاً أو فوضى، بل التزام أخلاقي.
أنت حر فيما تخطه أناملك في هذا الفضاء الرقمي لكنك في اللحظة ذاتها تحمل ثقل مسؤولية ما تكتب؛ وهذا أمر لا يختلف عليه عاقل.
ومن وحي هذه المسؤولية، أجد أن من المصداقية أن نتحرر من تلك النظرة القاصرة التي ترى في اللغة العربية رمزاً للماضي أو “تخلفاً” كما يتوهم البعض.
فالعربية بخصوصيتها الفريدة وثرائها المذهل، لغة تملك من المقومات ما يجعلها في غنى عن استجداء التطور من لغات أخرى
إن الوعي بالذات يبدأ من الوعي بالكلمة؛ كيف نكتب؟ ولماذا نكتب؟ إن واجبنا تجاه لغتنا الأم يحتم علينا الارتقاء بذائقتنا اللغوية، والترفع عن تلك “العامية” الركيكة التي باتت تشوه ملامح الجمال في تواصلنا اليومي. ليس الأمر مجرد تمسك بقواعد نحوية، بل موقف إيجابي ضد محاولات التهميش أو الخطابات التي تزدري الهوية اللغوية.
رسالتي التي أود أن تصل إلى القلوب قبل العقول، هي ضرورة التأسيس لإعلام رقمي يحترم الخصوصية اللغوية كجزء أصيل من الكرامة الإنسانية.
فالإعلام الذي يقدر الإنسان ويحترم وجوده، سيجد نفسه بالضرورة مقدراً للغته؛ فما اللغة إلا قطعة من روح هذا الإنسان، ولا يمكن بحال من الأحوال تجريد الكائن البشري من لغته التي رضعها مع حليب أمه، وشكلت أولى ملامح وعيه بالعالم.

