يقين24 – سهام بنموسى
في مشهد بات مألوفًا ومؤلمًا في آنٍ واحد، تعاني نساء كثيرات من سلوكيات غير محترمة داخل وسائل النقل العمومية، خاصة سيارات الأجرة والحافلات والترامواي. سلوكيات قد تبدو “عادية” في نظر بعض الرجال، لكنها في حقيقتها تشكل تعديًا صريحًا على كرامة المرأة وحقها في الجلوس بأمان وراحة.
من أكثر هذه المظاهر استفزازًا، طريقة الجلوس غير اللائقة التي يعتمدها بعض الرجال، حيث يتعمدون فتح أرجلهم بشكل مبالغ فيه أو مدّها لتلامس جسد المرأة الجالسة بجانبهم، دون أي اعتبار أو إحساس بالحرج. في المقابل، تجد المرأة نفسها مضطرة للانكماش، والابتعاد قدر الإمكان، وكأنها هي المخطئة أو الدخيلة على المكان.
هذا السلوك لا يمكن فصله عن غياب الوعي والاحترام، بل وعن ثقافة تبرر التعدي الصامت، وتضع المرأة دائمًا في موقع الضعف. فهل يقبل أي رجل أن تُعامَلَ زوجته أو ابنته أو أخته بهذه الطريقة؟ وهل يرضى أن يتعمد شخص غريب التلاصق بها أو التضييق عليها بحجة “الراحة”؟
اللافت أن هذه التصرفات تتكرر خصوصًا في سيارات الأجرة، حيث يكون الفضاء أضيق، والمرأة أكثر عرضة للاحتكاك القسري، دون أن تملك دائمًا الجرأة أو الإمكانية للاحتجاج، خوفًا من ردود فعل قد تكون أكثر إزعاجًا أو خطورة.
إن الجلوس باحترام، وجمع الرجلين، وعدم مدّ اليدين أو الأرجل على حساب مساحة الآخرين، ليس ترفًا ولا تنازلًا، بل سلوك حضاري يعكس أخلاق الشخص وتربيته. فالفضاء العام ليس ملكًا لأحد، والراحة لا ينبغي أن تكون امتيازًا يُنتزع من جسد امرأة صامتة.
معاناة النساء في المواصلات ليست حالات فردية، بل واقع يومي يتطلب نقاشًا مجتمعيًا صريحًا، وتدخلًا حقيقيًا عبر التوعية، والتربية على احترام الجسد، وتفعيل القوانين التي تحمي النساء من كل أشكال التحرش، سواء كان لفظيًا أو جسديًا أو حتى “صامتًا”.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل كثير من النساء يدخلن وسائل النقل وهنّ مستعدات نفسيًا للدفاع عن مساحتهن، لا لأنهن يردن الصراع، بل لأن الاحترام ما زال، للأسف، غير مضمون.

