يقين 24
شهدت مدينة الجديدة، نهاية الأسبوع، مؤتمرًا حزبيًا استثنائيًا لحزب التجمع الوطني للأحرار، غير أن مجرياته تجاوزت الطابع التنظيمي المعتاد، لتتحول القاعة إلى فضاء مشحون بالعاطفة والارتباك السياسي، في مشهد بدا أقرب إلى وداع مرحلة كاملة أكثر منه محطة عادية في مسار حزب يقود الحكومة.
على امتداد ما يقارب ثلاث ساعات، سيطرت الأجواء الوجدانية على أشغال المؤتمر، حيث طغت الدموع ونبرات التأثر على كلمات المسؤولين والقيادات، في صورة غير مألوفة داخل لقاءات سياسية يفترض فيها الحسم والوضوح أكثر من الانفعال.
عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، اعتلى المنصة بخطاب اتسم بكثرة الإشارات إلى الماضي والمسار والرفاق، وبنبرة غلب عليها الشكر والامتنان، ما منح كلمته طابع “الخطاب الوداعي” أكثر من كونه مداخلة سياسية تقليدية. دموعه لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرها متابعون رسالة غير مباشرة عن نهاية مرحلة من الاطمئنان السياسي، وبداية مرحلة أكثر تعقيدًا.
التأثر لم يقتصر على أخنوش وحده، إذ بدا راشيد الطالبي العلمي، المعروف بصرامته في إدارة الجلسات البرلمانية، متأثرًا إلى حد الارتجاف، فيما ظهر مصطفى بايتاس في وضع مرتبك، متأرجحًا بين دوره السياسي ومحاولته استيعاب اللحظة الوجدانية التي غلبت على المؤتمر.
وزراء وقياديون آخرون انخرطوا بدورهم في موجة التأثر الجماعي، في مشهد وصفه متابعون بأنه غير مسبوق داخل حزب يقود السلطة التنفيذية، ويواجه في المقابل انتقادات اجتماعية واقتصادية حادة من الشارع المغربي.
وخارج أسوار القاعة، تابع المواطنون هذه الصور عبر شاشات هواتفهم، في وقت تعيش فيه فئات واسعة ضغط غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات وتقلص فرص الشغل. وهو ما فتح باب التساؤلات حول توقيت هذا “الانفجار العاطفي”، ومغزاه السياسي في ظل سياق اجتماعي متوتر.
عدد من المراقبين اعتبروا أن هذا المشهد يعكس حالة قلق داخلي داخل الحزب، أكثر مما يعبر عن لحظة قوة أو تماسك. ففي السياسة، حين تطغى العاطفة بشكل جماعي، غالبًا ما تكون مؤشرًا على اهتزاز الثقة وبداية تحولات غير معلنة.
هكذا، دخل المؤتمر الاستثنائي للتجمع الوطني للأحرار الذاكرة السياسية كمحطة غير عادية، طغت فيها الدموع على البرامج، والانفعال على الحسابات، ليبقى السؤال مطروحًا: هل كان ما جرى مجرد لحظة إنسانية عابرة، أم علامة على نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر غموضًا؟

