يقين 24
في كل مرة تبدأ فيها الفقيه بن صالح التحرك الى الامام و تظهر عليها بوادر تغيير حقيقي في التدبير المحلي، يخرج من يحاول جر النقاش الى الخلف عبر اعادة تدوير نفس الروايات القديمة ونفس القراءة المجتزأة لتقرير مضى عليه اكثر من عقد. وكأن الزمن توقف عند سنة 2012، وكأن المدينة مطلوب منها تبقى رهينة ارشيف يتم اخراجه كلما تغيرت الحسابات السياسية داخل الاقليم.
الحقيقة التي يتم القفز عليها عمدا ان التقرير المذكور، في قراءته الكاملة، لم يثبت اي اختلاس ولا تبديد للمال العام ولم يتحدث عن اثراء غير مشروع. بل على العكس، تقارير المفتشية العامة للمالية سجلت ترشيدا واضحا في نفقات الادوية والمستلزمات الطبية، وحققت وفورات مهمة بلغت 366 مليون درهم سنة 2010 واستمر نفس المنحى سنة 2011 ليصل مجموع الاقتصاد ما بين 2008 و2012 الى ما يقارب مليار درهم. هذه ارقام رسمية وليست منشورات على مواقع التواصل. واش اللي كيحقق اقتصاد فمال الدولة يتحول فجأة الى عنوان لسوء التدبير غير حيت تبدلات الموازين؟

اما موضوع اللقاحات الذي يتم التلويح به في كل محطة سياسية، فهو في جوهره نقاش تقني صحي مرتبط بتقدير الاولويات وتعميم الاستفادة. القرار الذي اتخذ حينها لم يكن اعتباطيا، بل كان موجها لتوسيع قاعدة المستفيدين وجعل تلك اللقاحات ضمن برنامج وطني مجاني بعدما كانت مكلفة ولا يستفيد منها الا من يقدر على ادائها. واليوم بعد اكثر من خمسة عشر سنة ما زال المغرب يعتمد نفس الاختيارات ضمن برامجه الوطنية، رغم تحسن المؤشرات الصحية وتراجع نسب الوفيات. واش قرار كان خطأ استراتيجي يبقى معمولا به كل هذه السنوات؟ ولا ان البعض فقد الحجة ولقى غير نفس العناوين يعاودها؟
وبخصوص اقتناء اللقاحات عبر اليونيسيف، فالامر مرتبط بمعايير تصنيف دولي لا تنطبق على المغرب، وهو ما يفسر اللجوء الى الاقتناء المباشر من الشركات المصنعة وفق المساطر القانونية وبموافقة وزارة الاقتصاد والمالية. الكلفة كانت تمثل نسبة محدودة من ميزانية القطاع وتمت في اطار مؤسساتي واضح. ولو كانت هناك اختلالات جسيمة كما يتم الترويج له اليوم، لكانت الجهات المختصة تدخلت في وقتها ورتبت الجزاءات اللازمة. لكن شيئا من ذلك لم يقع، وهذا كاف ليفهم المتتبع اننا امام توظيف سياسي اكثر مما نحن امام مساءلة موضوعية.
وفي خضم هذا السجال يطرح سؤال اخر: من يقود هذا الهجوم ومن يحاول شد زمام النقاش في هذا الاتجاه؟ الغريب ان بعض الاصوات لا تنطلق من قلب الفقيه بن صالح بل من محيطها القريب، من مناطق ما زالت تعاني هي نفسها من مشاكل في البنية التحتية و غياب رؤية تنموية واضحة مع تعثر للمشاريع يعرفه الجميع. وهنا المواطن كيطرح سؤال بسيط: اللي ما قدرش يشد زمام النجاح فبلاصتو، كيفاش بغا يعطي الدروس لمدينة اخرى؟ الرسائل واضحة، والصراع في العمق ليس حول تقرير قديم بقدر ما هو حول النفوذ والتاثير داخل الاقليم.
على المستوى المحلي، الواقع لا يمكن تجاهله. الرئيس الحالي تسلم جماعة مثقلة بمديونية مرتفعة، مشاريع متوقفة، خصاص حاد في الموارد البشرية، ملفات قضائية بالجملة واحكام نهائية ضد الجماعة، اضافة الى وضع اداري مختل وشبكات وساطة وشركات مناولة مفلسة. بل ان هناك صفقة دراسات تناهز 24 مليون درهم ادي منها حوالي 23 مليون درهم دون توفر وثائق تقنية واضحة تثبت انجاز تلك الدراسات بالشكل المفترض، ومكتب الدراسات المعني كان ضمن الجهات التي طالتها المساءلة في تدبير الشان المحلي. هذه معطيات يعرفها المتتبعون جيدا وليست اختراعا اعلاميا.
ورغم هذا الارث الثقيل، اختار المكتب المسير نهج اعادة البناء وترتيب الاولويات واعادة هيكلة الادارة واطلاق مشاريع ميدانية والعمل على استرجاع الثقة تدريجيا في الفعل العمومي. الدينامية بدأت تظهر على الارض، وربما هذا ما ازعج من تعودوا ربح المعارك بالمناورات لا بالحصيلة. لان السياسة في النهاية ماشي ضجيج ولا مقالات هجومية، بل عمل يومي ونتائج ملموسة.
النقاش الحقيقي خاصو يكون حول الحصيلة: شكون خدم فعلا؟ شكون عطل المشاريع؟ شكون كان عندو القرار سنين طويلة وما تبدل والو؟ المواطن الفقيهي اليوم ما بقاش كيتاثر غير بالعناوين الكبيرة. كيشوف بعينو وكيحكم بعقلو. الثقة لا تبنى بالقص واللصق ولا باجتزاء التقارير، بل بالفعل الميداني. وفي الاخير الكلمة تبقى للساكنة، هي التي تميز بين النقد المسؤول والتشويش، وبين من ينافس بالبرامج ومن ينافس بالاتهامات

