يقين 24
عاد موضوع أسعار سمك السردين إلى واجهة النقاش في عدد من الأسواق المغربية خلال الأسابيع الأخيرة، بعد تسجيل ارتفاعات ملحوظة في ثمنه، وهو المنتوج الذي ظل لسنوات طويلة يُعد من أكثر الأسماك استهلاكاً لدى الأسر المغربية. هذا الارتفاع فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول مسار رحلة السردين من الميناء إلى الأسواق، والعوامل التي ترفع ثمنه قبل وصوله إلى المستهلك.
ويؤكد مهنيون في قطاع الصيد البحري أن السعر الذي ينطلق به السردين من الموانئ يختلف كثيراً عن الثمن الذي يصل به إلى الأسواق. ففي بعض الموانئ، مثل ميناء الجديدة، ينطلق المزاد في بعض الأحيان بحوالي 9 دراهم للكيلوغرام ليستقر في حدود 10 دراهم كبيع أولي داخل سوق السمك بالميناء.
غير أن هذا السعر لا يبقى على حاله، إذ تبدأ سلسلة من التكاليف في الارتفاع التدريجي للثمن. فبعد عملية البيع الأولي تضاف رسوم مختلفة مرتبطة بخدمات التسويق داخل الميناء، ورسوم الجماعات المحلية، إلى جانب مصاريف مهنية أخرى، وهي تكاليف قد تصل إلى حوالي درهم ونصف للكيلوغرام، إضافة إلى مساهمات مرتبطة بالضمان الاجتماعي ومصاريف أخرى.
كما تدخل ضمن الكلفة مصاريف الحفظ والتعبئة، مثل الثلج والصناديق ومواد التخزين، وهي عمليات ضرورية للحفاظ على جودة السمك أثناء نقله، وتقدر هذه التكاليف بحوالي درهم إضافي لكل كيلوغرام.
وتضاف إلى ذلك كلفة النقل بواسطة الشاحنات المبردة من الميناء نحو أسواق الجملة في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء، والتي قد تصل إلى نحو درهم ونصف للكيلوغرام، فضلاً عن أجور العمال المرتبطة بعمليات التفريغ والتحميل والتوزيع.
وبعد احتساب مختلف هذه المصاريف، تصل الكلفة التقريبية للسردين قبل عرضه للبيع بالتقسيط إلى حوالي 17 درهماً أو أكثر للكيلوغرام. بعدها يضيف بائع السمك هامش ربح يغطي مصاريف المحل من كراء وكهرباء وخسائر محتملة في المنتوج، وهو ما يرفع السعر في بعض الأسواق إلى ما بين 20 و25 درهماً، بل ويتجاوز ذلك في بعض المدن الداخلية.
ويربط مهنيون هذا الارتفاع أيضاً بعوامل طبيعية مرتبطة بقطاع الصيد البحري، حيث تتزامن بعض الفترات مع موسم توالد السردين، إضافة إلى تأثير الأحوال الجوية وهيجان البحر، وهو ما يؤدي أحياناً إلى تراجع الكميات المصطادة خلال بعض الأيام.
كما يشير عدد من الفاعلين في القطاع إلى تحولات أعمق عرفها الصيد البحري منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما تم تجميد منح رخص جديدة للصيد بهدف حماية الثروة السمكية وضمان استدامتها. غير أن تطور تقنيات الصيد وارتفاع حمولة المراكب البحرية ساهم في رفع القدرة على الاصطياد مقارنة بالماضي.
ويؤكد بحارة في الصيد الساحلي أن العثور على أسراب السردين أصبح يتطلب أحياناً وقتاً أطول مقارنة بسنوات سابقة، ما يعكس التغيرات التي يعرفها المخزون السمكي في البحر.
ويظل نظام المزاد داخل أسواق السمك بالموانئ عاملاً أساسياً في تحديد الأسعار، حيث يتحدد الثمن وفق توازن العرض والطلب. فعندما تكون الكميات المعروضة محدودة ويرتفع الطلب من طرف التجار أو معامل تعليب السمك، يرتفع السعر داخل المزاد قبل أن ينعكس ذلك مباشرة على الأسواق.
ويرى مهنيون أن النقاش حول أسعار السردين يعكس تحدياً أوسع يرتبط بكيفية تحقيق توازن بين حماية الثروة السمكية وضمان تزويد الأسواق الوطنية بالمنتوجات البحرية بأسعار معقولة، خاصة وأن السردين يظل واحداً من أهم المؤشرات التي تعكس واقع قطاع الصيد البحري بالمغرب.

