يقين 24 لخضر حمزة
في قلب العاصمة الاقتصادية، حيث تختلط الحيوية اليومية بثقل التحديات، يعود ملف النظافة ليطرق الأبواب بقوة، لا هذه المرة بشكاوى الساكنة فقط، بل بأرقام صادمة تضع الجميع أمام مرآة الحقيقة. أكثر من 119 مليار سنتيم سنوياً… رقم كفيل بأن يطرح سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: ماذا ستجني الدار البيضاء مقابل كل هذا الإنفاق؟
وثائق طلب المنافسة التي أطلقتها جماعة الدار البيضاء تكشف أن المدينة مقبلة على مرحلة جديدة في تدبير مرفق جمع النفايات المنزلية، وذلك مع اقتراب نهاية عقود التدبير المفوض مع شركتي “أفيردا” و”أرما”، المرتقب انقضاؤها خلال شهر مارس. مرحلة جديدة تُرفع فيها الشعارات الكبرى: تحسين الجودة، الصرامة في المراقبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الكلفة التقديرية السنوية بلغت مليار و194 مليون درهم، موزعة على أربع حصص كبرى تشمل مختلف عمالات المقاطعات. الحصة الأولى (أنفا والفداء مرس السلطان) تتصدر الغلاف المالي بما يفوق 412 مليون درهم، تليها الحصة الثانية (الحي الحسني وعين الشق) بحوالي 292 مليون درهم، ثم الحصة الرابعة (عين السبع الحي المحمدي وسيدي البرنوصي) بأكثر من 263 مليون درهم، فيما تأتي الحصة الثالثة (بن امسيك ومولاي رشيد) بحوالي 226 مليون درهم.
ولأن المرحلة تُسوَّق على أنها قفزة نوعية، فقد تم التنصيص على إدماج أنظمة GPS وكاميرات مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بهدف تتبع المسارات ومراقبة جودة الخدمات بشكل لحظي، في محاولة للرفع من مستوى الصرامة وتحسين الأداء داخل هذا المرفق الحيوي.
غير أن نجاح هذا التحول لا يظل رهيناً فقط بالتجهيزات والتقنيات، بل يرتبط أيضاً بالعنصر البشري الذي يشكل الركيزة الأساسية في الميدان. فالعامل في قطاع النظافة يظل محور التنفيذ اليومي لهذه الخدمات، وهو ما يطرح أهمية مواكبة هذا الورش باهتمام متوازن يشمل الجوانب المهنية والاجتماعية، من حيث ظروف العمل، التغطية الصحية، وآليات التحفيز.
وفي هذا السياق، فإن تحقيق النجاعة المنشودة يمر عبر الجمع بين الاستثمار في التكنولوجيا وتعزيز مكانة العامل، بما يضمن استمرارية الأداء وجودته. فالتجارب أثبتت أن أي إصلاح لا يضع الإنسان في صلبه، يبقى ناقص الأثر مهما بلغت كلفته.
وهكذا، تبدو الدار البيضاء اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها ليس فقط تدبير النفايات، بل بناء نموذج متكامل يوازن بين الإمكانيات المرصودة والنتائج المنتظرة، في أفق مدينة أكثر نظافة… وأكثر إنصافاً

