بقلم: عبد الجليل فريد – الكاتب الوطني للنقابة الوطنية IPSE/OCP
يقين 24
يشكّل الحكم النهائي الصادر عن محكمة النقض بالرباط محطة مفصلية في مسار النضال النقابي لعمال القطاع الفندقي بالمغرب، ويعيد التأكيد على الدور المحوري للقضاء كضامن للحقوق والحريات، خاصة في ما يتعلق بحماية الأجراء من الطرد التعسفي.
فقرار رفض الطعن الذي تقدّمت به إدارة فنادق موكادور لم يكن مجرد إجراء قانوني عادي، بل هو تثبيت صريح لسلامة الأحكام السابقة الصادرة لفائدة 93 عاملاً بمدينة أكادير، والذين خاضوا مساراً طويلاً وشاقاً من أجل انتزاع حقوقهم، في واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي عرفها القطاع في السنوات الأخيرة.
غير أن هذا الانتصار القضائي، على أهميته، لا يمكن فصله عن الكلفة الإنسانية الباهظة التي تكبدها هؤلاء العمال. فمنذ اعتصام صيف 2022، الذي امتد لستة أشهر كاملة، دخلت الشغيلة في معركة يومية قاسية، تميزت بانقطاع الأجور وغياب أي مورد للعيش، ما حوّل الملف من نزاع قانوني إلى قضية إنسانية بامتياز.
لقد واجه العمال ظروفاً اجتماعية وصحية صعبة، تفاقمت مع فقدان التغطية الصحية، في وقت كانوا فيه بأمس الحاجة إلى الرعاية. ولم تقف المعاناة عند هذا الحد، بل امتدت لتخلف خسائر مؤلمة، بعد وفاة ثلاثة من الأجراء في سياق مشحون بالضغط والمعاناة، وهو ما يمنح هذا الملف بعداً إنسانياً يتجاوز لغة الأحكام والأرقام.
ورغم صدور حكم نهائي حائز على حجية الشيء المقضي به، فإن معركة العمال لم تنته بعد، حيث تُسجل مؤشرات على تعثر التنفيذ، في ظل ما يوصف بتعنت المشغّل، ومحاولات للالتفاف على المساطر القانونية عبر إفراغ الأصل التجاري من مكوناته، في سلوك يطرح تساؤلات عميقة حول فعالية آليات تنفيذ الأحكام القضائية.
هذا الواقع يعيد إلى الواجهة إشكالية أعمق، تتعلق بمدى احترام مبدأ دولة الحق والقانون، خاصة حين يتعلق الأمر بمصالح فاعلين اقتصاديين كبار، حيث يصبح تنفيذ الأحكام في بعض الحالات معركة جديدة لا تقل صعوبة عن كسبها.
في المقابل، لا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في تأطير هذا الملف، إلى جانب هيئة الدفاع التي أبانت عن كفاءة قانونية عالية، مما ساهم في تحويل معاناة الشغيلة إلى قضية عادلة انتصرت داخل أروقة القضاء.
كما يسلّط هذا الملف الضوء على ثغرات قائمة في المنظومة القانونية، خاصة في ما يتعلق بالتداخل بين القانون التجاري والاجتماعي، وهو ما يفتح نقاشاً ضرورياً حول الحاجة إلى إصلاحات تشريعية تضمن حماية الأجراء وتمنع أي تحايل محتمل على حقوقهم.
وفي خضم كل ذلك، يبقى السؤال قائماً: ما جدوى الأحكام القضائية إذا لم تُنفذ؟ وهل يمكن الحديث عن عدالة مكتملة دون ضمان وصول الحقوق إلى أصحابها؟
إن هذا الملف لا يتعلق فقط بانتصار قضائي، بل برهان حقيقي على قدرة الدولة على فرض احترام القانون، لأن العدالة، في جوهرها، لا تكتمل إلا حين تُترجم الأحكام إلى واقع ملموس، دون تأخير أو التفاف.


