في ملف يعيد طرح سؤال الحكامة داخل مؤسسات التعليم العالي العمومي، توصلت “يقين 24” بمعطيات ووثائق رسمية تهم ميزانية سنة 2026 الخاصة بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير ببني ملال، تكشف مؤشرات لافتة بخصوص طريقة توزيع النفقات داخل المؤسسة.
وبحسب الوثيقة الرسمية المصادق عليها من طرف مجلس المؤسسة، فقد تم تخصيص ما يقارب 416 ألف درهم لمصاريف التنقل والمهمات والإقامة والضيافة، أي حوالي 30 في المائة من الميزانية، مقابل 81 ألف درهم فقط للوسائل البيداغوجية والتقنية، بنسبة لا تتجاوز 5,8 في المائة.
وبلغة الأرقام، يظهر أن مصاريف التنقل تتجاوز بخمسة أضعاف تقريباً ما تم تخصيصه للتجهيزات التعليمية، وهو معطى يثير تساؤلات حول ترتيب الأولويات داخل مؤسسة يُفترض أن يكون التكوين الأكاديمي في صلب مهامها.
وفي سياق متصل، تُبرز وثيقة صادرة عن المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالمؤسسة، بتاريخ 16 أكتوبر 2025، وجود مطالب مرتبطة بتوفير الوسائل البيداغوجية وتحسين ظروف العمل، من بينها تجهيز الأساتذة بالمعدات الضرورية، وتحديث قاعات الدروس، وربط المؤسسة بشبكة الأنترنت، وتوفير فضاءات عمل ملائمة.
هذه المعطيات تطرح تساؤلات مباشرة: كيف يمكن التوفيق بين محدودية الاعتمادات الموجهة للتجهيزات، وحجم النفقات المخصصة للتنقل والمهمات؟ وهل يكفي الغلاف المالي المرصود للوسائل البيداغوجية لتلبية حاجيات مؤسسة جامعية؟ ثم وفق أي معايير يتم تحديد أولويات الصرف داخل الميزانية؟
ولا يتعلق الأمر بتقديرات أو معطيات غير مؤكدة، بل بأرقام واردة في وثيقة رسمية، ما يجعلها قابلة للفحص من طرف الجهات الرقابية المختصة، ويفتح الباب أمام تقييم مدى انسجام هذه الاختيارات مع مبادئ الحكامة الجيدة.
كما تطرح هذه المؤشرات تساؤلات إضافية حول طبيعة هذه المصاريف: ما الذي تغطيه فعلياً؟ وهل تتوفر الوثائق المحاسباتية المؤطرة لها وفق القواعد الجاري بها العمل؟ وهل خضعت هذه الميزانية لآليات المراقبة المعتادة قبل المصادقة عليها؟
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات إلى توجيه مراسلات إلى عدد من الجهات المعنية بالمراقبة، من أجل الاطلاع على هذه الأرقام والتدقيق في مدى مطابقتها للمساطر القانونية المعمول بها.
ويبقى هذا الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، بين من يرى أن الأمر يتعلق باختيارات تدبيرية تدخل ضمن صلاحيات المؤسسة، ومن يعتبر أن الأرقام المطروحة تستدعي توضيحات رسمية لتبديد أي لبس وضمان الشفافية.
وقد حاولت “يقين 24” التواصل مع إدارة المؤسسة المعنية لأخذ توضيحاتها بخصوص هذه المعطيات، غير أنها لم تتوصل بأي رد إلى حدود لحظة نشر هذا المقال.
في المحصلة، تعيد هذه الأرقام النقاش إلى جوهره: كيف تُحدد أولويات الإنفاق داخل مؤسسات التعليم العالي؟ وإلى أي حد تنعكس هذه الاختيارات على جودة التكوين؟ وهل نحن أمام وضعية معزولة، أم مؤشرات تستدعي نقاشاً أوسع حول حكامة تدبير المال العام داخل الجامعة المغربية؟
ملف للمتابعة… 🔎

