بقلم: محمد الحدوشي
في كل ثالث من ماي، يعود اليوم العالمي لحرية الصحافة حاملاً معه سؤالًا مؤرقًا أكثر من كونه مناسبة احتفالية، أيُّ عيدٍ هذا الذي يأتي والعالم يئن تحت وطأة الحروب، وتضيق فيه مساحات الحرية، ويُستهدف فيه صوت الحقيقة؟ لم يعد هذا اليوم مجرد محطة رمزية للإشادة بحرية التعبير، بل تحول إلى مرآة تعكس اختلالات النظام الإعلامي العالمي، حيث تتقاطع الحقيقة مع التضليل، وتتجاذبها المصالح السياسية والاقتصادية، في زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا لا يقل خطورة عن الرصاص.
لقد شهد هذا العام تصاعدًا لافتًا في النزاعات الدولية والأزمات الجيوسياسية، ما جعل الصحافة تقف في خط تماس مباشر مع الخطر. لم يعد الصحفي مجرد ناقل للخبر، بل أصبح شاهدًا على المأساة وهدفًا في كثير من الأحيان. في مناطق النزاع، تُستهدف الكلمة الحرة وتُقمع الصورة الصادقة، ويُدفع الصحفيون ثمنًا باهظًا قد يصل إلى فقدان الحياة، في مفارقة مؤلمة تؤكد أنه كلما اشتد الظلام، ازدادت الحاجة إلى نور الصحافة، لكن هذا النور يُحارب بشراسة.
وإذا كانت الحروب الميدانية تفتك بالحقيقة، فإن معارك أخرى أكثر خفاءً تُخاض في الفضاء الرقمي، حيث تنتشر الأخبار الزائفة وتُفرض قيود على تداول المعلومات. بعض الحكومات، بدل أن تحمي حرية التعبير، تنخرط في نشر معلومات مضللة أو تمارس أشكالًا من الرقابة تحد من قدرة الصحفيين على أداء دورهم. وهنا تجد الصحافة المستقلة نفسها في مواجهة مزدوجة، مقاومة التضليل من جهة، ومقاومة التضييق من جهة أخرى، في معركة عنوانها من يملك الحقيقة ومن يجرؤ على قولها.
وفي السياق المغربي، تبدو الصورة أكثر تركيبًا، تجمع بين مؤشرات إيجابية وأخرى تدعو إلى اليقظة. فقد كشف التقرير السنوي الصادر عن مراسلون بلا حدود أن المغرب حقق تقدمًا ملحوظًا في تصنيف حرية الصحافة، حيث ارتقى إلى المرتبة 105 عالميًا من أصل 180 دولة، متقدمًا بخمسة عشر مركزًا مقارنة بالسنة الماضية. وهو معطى يعكس، في جانب منه، الجهود التي تبذلها المقاولات الإعلامية والصحافيون من أجل الارتقاء بالممارسة المهنية، إلى جانب تراجع نسبي في عدد المتابعات القضائية المباشرة في حق الصحفيين.
غير أن هذا التحسن الرقمي، رغم أهميته، لا يخفي استمرار تحديات بنيوية تؤثر على بيئة العمل الصحفي. فوفق نفس التقرير، لا تزال ظاهرة الرقابة الذاتية حاضرة بقوة، حيث يفضل عدد من الصحفيين تجنب بعض المواضيع الحساسة تفاديًا للضغوط أو المتابعات، كما أن الهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها العديد من المؤسسات الإعلامية تلقي بظلالها على استقلالية الخط التحريري وجودة المنتوج الصحفي. وهو ما يجعل مسألة حرية الصحافة لا تقاس فقط بالترتيب الدولي، بل بمدى توفر شروط ممارسة مهنية حرة وآمنة ومستقلة على أرض الواقع.
أما على المستوى العالمي، فقد دق التقرير ذاته ناقوس الخطر، مؤكدًا أن حرية الصحافة بلغت أدنى مستوياتها منذ ربع قرن، حيث تعيش أكثر من نصف دول العالم أوضاعًا إعلامية تُصنف بين “الصعبة” و“الخطيرة للغاية”، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الإعلام الحر في زمن التحولات الكبرى.
وفي خضم هذا الواقع المتوتر، يكتسب شعار هذه السنة، “بناء عالم يسوده السلام”، دلالة عميقة تتجاوز البعد الرمزي، ليضع الصحافة في صلب معادلة الاستقرار الدولي. فالإعلام الحر والمستقل لا يقتصر دوره على نقل الوقائع، بل يسهم في تعزيز ثقافة الحوار، وبناء جسور التفاهم بين الشعوب، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف. إن الكلمة الصادقة، حين تتحرر من القيود، قادرة على نزع فتيل الأزمات، وتقريب وجهات النظر، وترسيخ قيم التسامح والمواطنة، في عالم بات أحوج ما يكون إلى صوت العقل بدل ضجيج الصراعات.
إن الصحافة، بهذا المعنى، ليست فقط سلطة رقابية، بل فاعل أساسي في صناعة السلم، لأن الحقيقة حين تُعرض بموضوعية، تفتح المجال أمام الفهم بدل سوء التأويل، وأمام النقاش بدل العنف. لذلك فإن حماية الصحافة ليست فقط دفاعًا عن مهنة، بل استثمار في استقرار المجتمعات ومستقبلها.
وسط هذه التحولات، يظل الصحفي الحقيقي هو ذاك الذي يطرح الأسئلة الصعبة، ويبحث عن الحقيقة دون خوف، ويقف في صف المجتمع لا في صف السلطة أو المصالح. إنه ليس مجرد ناقل للوقائع، بل حارس للضمير الجمعي، وصوت لمن لا صوت لهم، يؤدي رسالته في ظروف تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.
وعليه، فإن الثالث من ماي لا ينبغي أن يُختزل في طابع احتفالي، بل يجب أن يُستحضر كوقفة تأمل ومسؤولية، تذكر الحكومات بواجباتها تجاه حرية الصحافة، وتدعو إلى حماية الإعلام من كل أشكال الضغط والتضييق. إنه يوم للتذكير بأن الصحافة ليست ترفًا ديمقراطيًا، بل ضرورة مجتمعية، وأن حمايتها تعني حماية حق الإنسان في المعرفة، وتعني أيضًا الإسهام في بناء عالم أكثر سلمًا وإنصافًا.
عيد بأي حال عدت يا عيد… لعل الجواب يظل معلقًا بين واقع يفرض التحدي، وأمل في أن تبقى الكلمة الحرة أقوى من كل محاولات الإخراس، لأن الصحافة في نهاية المطاف ليست مجرد مهنة، بل رسالة، وحين تُخنق هذه الرسالة، يختنق معها جزء من إنسانيتنا.

