يقين 24
تعيش مقاطعة عين السبع بالدار البيضاء على وقع واحدة من أغرب القضايا العقارية التي خرجت إلى العلن في السنوات الأخيرة، بعدما تفجّرت معطيات متضاربة حول قطعة أرض كانت مخصصة لتكون حديقة عمومية لفائدة الساكنة، قبل أن يظهر أنها مسجلة أيضاً باسم شركة عقارية خاصة، ما وضع الجميع أمام أسئلة غير مسبوقة حول المسار القانوني للملكية.
وتعود بداية القصة إلى ظهور تناقض واضح بين شهادتي ملكية تخصان القطعة نفسها التي تصل مساحتها إلى حوالي 13 ألف متر مربع. هذه الأرض أُدرجت منذ مطلع الألفية في تصميم التهيئة كفضاء أخضر، لكنها بقيت في وضعية “معلّقة” لسنوات بسبب عدم استكمال إجراءات تحفيظها لفائدة الجماعة، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول مآلها الحقيقي.
وتفاقمت الأزمة بعد تداول رسالة مجهولة داخل مجموعة “واتساب” تخص لجنة التعمير، تتهم النائب الثاني لرئيس المجلس بالتدخل لتغيير وضعية الرسم العقاري رقم 8447/ج. وعلى الرغم من أن الاتهام لم يُثبت، إلا أنه تسبب في توتر داخل الاجتماع، وغادر المسؤول المعني القاعة، قبل أن تعرف المقاطعة سلسلة استقالات متتالية داخل الإدارة الجماعية. يوسف لحصينية، رئيس مقاطعة عين السبع، وجد نفسه في قلب العاصفة، معلناً استعداده لتقديم استقالته واللجوء إلى القضاء لكشف الحقيقة.
ومع تعقّد التفاصيل، لم يعد الأمر مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى قضية أكبر تتعلق بمنظومة التدبير العقاري. فظهور وثيقتين رسميتين متناقضتين بشأن الملكية يثير أسئلة ثقيلة حول مسار الملف داخل المحافظة العقارية، وكيف تحولت أرض كانت تُعتبر لسنوات ملكاً جماعياً مخصصاً للمنفعة العامة إلى عقار مسجل حديثاً باسم شركة خاصة تحمل اسم Bafella SARL. وتبقى الأسئلة مفتوحة: هل صدر حكم قضائي؟ هل وقع تفويت قانوني لم تُعلن تفاصيله؟ أم أن ثغرات إدارية قديمة فتحت المجال لعمليات تسجيل لاحقة؟
مصادر من داخل الجماعة تشير إلى “تراكم فوضوي” في تدبير العقارات الجماعية منذ سنوات، وإلى ملفات مماثلة ظلت عالقة بسبب غياب التتبع أو سوء حفظ الوثائق أو غموض في تحويلات التصاميم. كما تربط مصادر أخرى هذا الملف بسياق أوسع من الارتباك في الحكامة داخل المقاطعة، وهو ما جعل القضية الحالية مجرد حلقة جديدة في سلسلة مشاكل متراكمة.
ورغم الاتهامات المتداولة، يبقى الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات في غياب أي توضيحات رسمية من المحافظة العقارية أو المصالح الجهوية أو السلطة القضائية، ما يزيد من ضبابية الوضع القانوني للأرض.
من جهتهم، يعبر سكان عين السبع عن قلقهم وخيبة أملهم، معتبرين أن الأرض المتنازع عليها كانت تمثل بالنسبة إليهم مشروعاً بيئياً منتظراً منذ سنوات، وكانت ستوفر متنفساً حضرياً في منطقة تعاني من ضغط عمراني كبير. ومع استمرار الغموض، ينتظر السكان كشف الحقائق وتحديد ما إذا كانت الأرض قد خرجت فعلاً من الملك العمومي، أم أن الأمر ما زال قابلاً للتصحيح.
وفي غياب رواية رسمية حاسمة، تبقى هذه القضية مثالاً معبّراً عما يحدث في كواليس تدبير العقار داخل المدن الكبرى، حيث تتقاطع المصالح والسياسة والإدارة في قصة لا تزال فصولها تتكشف تباعاً.

